بعد سنوات من التراجع، يترقّب مربّو النحل في محافظة إدلب شمال غرب سوريا موسماً جديداً على وقع الهطولات المطرية الجيدة التي شهدتها المحافظة خلال الموسم الحالي، وسط تفاؤل حذر بإمكان تحسّن الإنتاج، يقابله قلق مستمر من ارتفاع الكلفة وضعف الدعم، وبعض المخاطر التي ما تزال تهدد هذا القطاع.
تراجع الإنتاج
ويوضح المهندس الزراعي ومربي النحل عبد الكريم غزال، أن إنتاج العسل خلال السنوات الماضية كان ضمن الحد الجيد، إلا أنه شهد تراجعاً كبيراً خلال العامين 2024 و2025، نتيجة انخفاض معدل الأمطار، وانعدام المراعي البرية التي كانت تعتمد جزئياً على الري.
ويضيف خلال حديثه إلى "المدن"، أن الموسم لهذا العام سيتأثر بتلف بعض المزروعات الرحيقية المهمة مثل حبة البركة واليانسون، والتي تشكل أكثر من 30% من موسم العسل السنوي لدى أغلب النحالين، وغمرتها مياه الأمطار الغزيرة أدت لخسارة معظمها.
ويشير غزال إلى أبرز الصعوبات الحالية التي تواجهه وأقرانه من النحالين، تتجلى في إمكان استعادة أعداد خلايا النحل التي تراجعت خلال الأعوام الأخيرة لأسباب مناخية أو لعدم القدرة على الاستمرار بإنتاج الكمية عينها. كما يشير إلى مشكلة جسيمة تهدد جميع المربّين، تتمثل في عدم وجود آلية تمنع السارقين من سرقة الخلايا، ما يستدعي اعتماد نظام يحدّ من سهولة السرقة، بعدما فقد بعض المربّين أفضل الخلايا لديهم.
وأوضح غزال أن استمرار أو انسحاب فصل الشتاء له تأثير كبير على الخلايا، التي قد تكون وضعت الحضنة واستهلكت جزءاً من مخزون العسل، ما يضطر النحال إلى تقديم العجينة البروتينية لدعم قوة الطائفة وتفادي تخلص الخلية من الحضنة عند حدوث تغيّر مفاجئ في الطقس.
مشاكل وحاجات
ويُشكل التراجع بالمراعي – بحسب غزال – مشاكل إضافية، هي من مهام الجهات الحكومية المنوط بها إعداد دراسات بالتعاون مع بعض النحالين، لإعادة إنشاء غطاء نباتي شجري رحيقي، يضمن توافر المراعي، ويعوض غياب المراعي الزراعية في الحقول.
ويرى غزال أن من الضروري مواكبة التطور في قطاع تربية النحل من خلال تحديث معدات التخزين وفق مواصفات غذائية عالية الجودة، واستخدام معدات حديثة لمكافحة القراد وتبخير الخلايا.
ويسعى بعض النحالين إلى تطوير تصميم الخلية الحديثة لتصبح أكثر مواءمة لظروف العمل، مع الإشارة إلى أن بعض هذه التقنيات الحديثة لتطوير مستقبل تربية النحل طُرحت خلال المعرض الذي عُقد في دمشق العام الماضي، "ونحن ننتظر أن تدخل السوق بشكل فعلي"، قال غزال.
تكمن أهم حاجات النحالين في استعادة سلالة النحل السورية الأصيلة، المعروفة بالهدوء والتحمل، وإتاحة تشكيل تجمعات أو جمعيات أو شركات خاصة لتقديم معدات مشتركة تخفف التكاليف وتعزز ثقة المستهلك. بالإضافة لإنشاء مخابر تمنح شهادات منشأ للعسل لضمان الجودة وحماية المستهلك، خاصة مع انتشار منتجات تباع على أنها عسل طبيعي لكنها لا تتوافق مع المواصفات الغذائية.
خطط مستقبلية
مسؤول دائرة الشؤون الزراعية والوقاية في مديرية الزراعة في إدلب حيان الحاج يوسف قال خلال حديث خاص لـ "المدن"، إن الهطولات المطرية الأخيرة في المحافظة كان لها أثر إيجابي على قطاع تربية النحل، حيث ازدادت مساحة المراعي وتنوعت؛ وهذا ما أتاح للمربّين الانتقال إلى مناطق جديدة داخل المحافظة وخارجها، وزيادة إنتاج العسل.
وأضاف أن من الآثار الإيجابية أيضا زيادة عدد الخلايا من خلال تقسيمها، إضافة إلى تطوير حلول لمشكلات المربين مثل الأمراض التي تصيب النحل.
وأوضح أن المخاطر الأكبر تكمن في عدم التنسيق بين المزارعين ومربي النحل، خاصة عند رش المبيدات الحشرية دون إعلام المربين، مشيرا إلى أن التنسيق قائم عبر مديرية الزراعة والوحدات الإرشادية المنتشرة في المناطق، حيث يتم إعلام المربين بأوقات الرش لحماية النحل.
وبيّن الحاج يوسف أن الأمراض التي قد تصيب النحل يمكا للتغلب عليها، وأن تطوير القطاع قائم حالياً عبر استخدام خلايا حديثة من نوع "لانغستروث"، مشيراً إلى وجود خطط مستقبلية لإنشاء مختبرات لتحليل العسل وتحسين جودة المنتج للتسويق. كما أشار إلى وجود توجهات لإنشاء جمعية تضم جميع مربي النحل في المحافظة.
وبيّن أن تسويق الإنتاج يكون عبر مشاركة المربين في المعارض الزراعية، مثل معرض الزيتون الأخير في إدلب، لعرض منتجاتهم من العسل.
ياتوفر في السوق المحلية حوالي 20 نوعاً مع العسل، تختلف باختلاف نوعية التغذية التي تُقدم للنحل في أثناء الإنتاج. ووفق ما رصدت "المدن" فإن عسل الكزبرة يباع حالياً بسعر 12 دولاراً للكيلو، وعسل اليانسون والجيجان والشفلح بسعر 14 دولاراً للكيلو، وأما العسل المشكل في فيتوفر فبسعر 13 دولاراً.
فيما تحافظ بعض الأصناف الخاصة على أسعار مرتفعة، مثل عسل المحلب وزهر السمسم بسعر 15 دولاراً، وعسل زهر الليمون بسعر 15 دولاراً، وعسل حبة البركة بسعر 17 دولاراً.
وتصل أسعار الأصناف النادرة مثل العسل الجبلي، السنديان، السدر، الجبلي التركماني، العجرم، الزعتر الخليلي، وزعتر بري إلى 25 دولاراً للكيلو. ويُسجل عسل اللوزيات المر أعلى الأسعار بـِ 30 دولاراً، أما العسل الفاخر مثل الزلوع فيصل إلى 45 دولاراً للكيلو.
ويبقى موسم النحل في إدلب أكثر من مجرد إنتاج للعسل؛ إنه اختبار لقدرة المربين على التكيف مع التحديات المناخية والاقتصادية، وفرصة لإحياء سلالة النحل الأصيلة وتحسين جودة الإنتاج المحلي.
وبين التفاؤل بموسم واعد وضرورة مواجهة المخاطر المستمرة، يظل دعم الحكومة والمجتمع المحلي ضرورياً لتأمين مستقبل هذا القطاع الحيوي، عبر الحفاظ على البيئة والمراعي الطبيعية، بما يخدم المربين والمستهلك على حد سواء.




