على بعد أشهر من موسم الصيف والسباحة، قررت بلدية البترون عدم انتظار "الموسم" وتحركت بخطوات تنفيذية استباقية لحماية البيئة. فالمدينة باتت بمثابة "عاصمة السياحة" الصيفية ويتوافد السائحون إليها بكثرة، الأمر الذي يؤدي إلى تآكل النظام البيئي. فبموجب قرار بلديّ جريء، تحوّلت شواطئ مدينة البترون من مجرد واجهة سياحية صاخبة تعجّ بالرواد والباحثين عن الاستجمام، إلى خط دفاع أخير لحماية ما تبقى من إرث بيئي وأثري في وجه الفوضى العمرانية والممارسات البشرية الجائرة.
في خطوة قانونية لافتة استندت إلى صلاحيات السلطة المحلية على مياهها الإقليمية، أعلنت البلدية شاطئ المدينة ومحيطه الطبيعي "حمى طبيعياً" في محاولة لفرض إيقاع جديد يوازن بين التنمية السياحية المستدامة وحقوق الطبيعة.
قرار محلي برؤية عالمية
لم يكن هذا الإعلان وليد الصدفة، في منطقة نابضة بالحياة، بل جاء كضرورة ملحة لخلق توازن دقيق بين مدينة لا تنام سياحياً، وبحر يحتاج إلى الراحة ليتنفس. تجاوز هذا القرار ببنوده مجرد الشعارات البيئية، واضعاً خريطة طريق متكاملة تبدأ من تنظيم الصيد المسؤول لدعم معيشة الصيادين، ولا تنتهي عند إحياء الموائل البحرية والنهرية التي أنهكتها التدخلات البشرية والنفايات والتلوّث.
وفي سبيل تحويل هذا الحلم إلى واقع إداري ملموس، عقدت بلدية البترون شراكات علمية وتقنية مع التجمع اللبناني للبيئة (LEF)، وجمعية حماية الطبيعة (SPNL)، وبدعم تقني من جامعة البلمند. قرّر المجلس البلدي، في سياق تعزيز الإدارة الرشيدة، تشكيل لجنة إدارية استشارية عابرة للقطاعات، تضمّ خبراء للإشراف على الخطط التنموية وجذب الاستثمارات الخارجية، مما يحوّل "الحمى" إلى مغناطيس للتمويل الدولي المخصّص للتطوير السياحي والبيئي المسؤول.
نموذج اللامركزية البيئية
ما يميّز "حمى البترون" أنها تجربة في "اللامركزية البيئية"، وخطوة رائدة تهدف إلى تعزيز الرّقابة المحلية وحماية الموارد البحرية. وفي حديث خاص لـ"المدن"، أوضح رئيس التجمع اللبناني للبيئة المهندس مالك غندور أن نطاق "الحِمى" يمتدّ على طول الساحل الإداري لمدينة البترون، ويصل إلى عمق 500 متر داخل البحر.
وأكّد "إن إعلان الموقع كحمى يمنح البلدية الهوية القانونية اللازمة لتكون المبادِرة في الإدارة والرقابة، ويكسبها صلاحيات مباشرة لتطبيق القوانين النافذة، مما يقلّص "الروتين الإداري" ويسمح للأجهزة المحلية بالتدخل الفوري لمنع الممارسات الجائرة، مثل الصيد غير القانوني أو التعديات البيئية".
ولأن المساحات البحرية شاسعة، تدرس اللجنة الإدارية إدخال "التكنولوجيا في الخدمة" عبر استخدام طائرات "الدرون" وكاميرات مراقبة ليلية لرصد أي خروقات أو عمليات صيد غير قانوني، مما يضع البترون في مصاف المحميات العالمية التي تعتمد على "الرقابة الذكية".
ويتضمّن المشروع، المموّل جزئياً من الاتحاد الأوروبي، خطّة لتحويل الشاطئ إلى مختبر طبيعي مفتوح عبر مسارات غوص تعليمية ومراكز توعية تستهدف الأجيال الصاعدة.
بين "الحِمى" و"المحمية"
وفي سياق توضيحه للمصطلحات القانونية، أشار غندور إلى فرق جوهري: "الحِمى يعتمد على قرار إداري من السلطة المحلية (البلدية) ويُشرك المجتمع المحلي في الحماية، بينما تتطلب "المحمية الطبيعية" قانوناً يصدر عن مجلس النواب، وهي عملية قد تستغرق سنوات طويلة". واعتبر أن "إعلان البترون "حمى" هو الخطوة التأسيسية التي تمهّد لتحويلها مستقبلاً إلى محمية وطنية شاملة.
لا تقتصر أهمية المشروع على الجانب البيئي فحسب، يقول غندور، بل تمتد لتشمل الجانب الاقتصادي. إذ يُعتبر هذا الإعلان بمثابة "جواز سفر" يسهّل على المدينة طرق أبواب المنظمات الدولية والجهات المانحة للحصول على تمويل تنموي.
وتعدّ البترون اليوم واحدة من ضمن 22 موقعاً على طول الشاطئ اللبناني (من عكار شمالاً إلى صور جنوباً)، يسعى التجمع اللبناني للبيئة لإدراجها ضمن شبكة "حِمى بحرية" متكاملة. وتهدف هذه الشبكة إلى حماية المواقع الحساسة بيولوجياً، مثل أماكن تفريخ السلاحف وموائل فقمة الراهب في مناطق كالروشة والدامور وأنفة وجبيل.
كنوز تحت سطح المياه
لا يمكن الحديث عن حمى البترون من دون التطرّق إلى القاعدة العلمية التي بُني عليها القرار. فالحمى لم تُحدد حدودها بشكل عشوائي، بل استناداً إلى خرائط دقيقة أعدّها مركز علوم البحار في جامعة البلمند. هذا الربط بين البلدية والجامعة يحوّل الشاطئ إلى مركز أبحاث وطني.
في وقت لا يرى السائح الذي يرتاد مقاهي البترون سوى زرقة المياه وروعة المشاهد، كشفت الدراسات التي أجرتها جامعة البلمند عن عالم مذهل يقبع تحت السطح. تعدّ مياه البترون موطناً لـ"مراعي Posidonia"(أعشاب بحرية)، وهي بمثابة "رئة المتوسط" التي تمتص الكربون وتوفر مأوى لصغار الأسماك. يفرض إعلان الشاطئ حمى قيوداً صارمة على الأنشطة التي تزعج هذه الكائنات، ويمنع الصيد الجائر بالديناميت أو الشباك الضيقة التي تخنق التنوّع الحيوي.
المواطنة البيئية
في ميناء البترون القديم، قد تتباين الآراء لكنها في النهاية تلتقي عند مصلحة البحر. ويرى الصيادون أن الحمى ليست عدواً لرزقهم، بل هي استثمار طويل الأمد. فتنظيم الصيد داخل نطاق المحمية يسمح للأسماك بالتكاثر. وعندما تزيد كمية الأسماك داخل نواة الحمى، فإنها تهاجر طبيعياً إلى المناطق المفتوحة للصيد (Spillover effect)، مما يعني أن صيادي البترون سيصطادون أسماكاً أكبر حجماً وأكثر جودة، مما يرفع دخلهم اليومي.
تنطلق فلسفة المشروع من أن "الوعي المحلي" هو الركيزة؛ فالقرار بلا رقابة المجتمع يظل حبراً على ورق. وستخلق المحمية فرص عمل جديدة لشباب المدينة كـ"مرشدين بحريين بيئيين"، ليرافقوا السياح في رحلات غوص و"كاياك" منظمة تحترم حرمة الماء.
تقدّم البترون درساً بليغاً في "المواطنة البيئية"، حيث يصبح كلّ مواطن خفيراً، وكل زائر شريكاً. إن نجاح حمى البترون هو "بروفة" حقيقية لقدرة المجتمعات المحلية على إدارة مواردها بذكاء، وكسر القاعدة النمطية التي تضع التطوّر العمراني في صدام دائم مع الطبيعة. البترون اليوم لا تحمي بحرها فقط، بل تحمي هويتها ومستقبل أبنائها، معلنةً أن "الأزرق" لم يعد مشاعاً للفوضى، بل إرثاً تحت الحراسة.




