كفركلا: إبادة بيئية لعروس الجنوب

مصطفى رعدالخميس 2026/02/26
_1HA0887.jpg
الاستعادة الوظائف الطبيعية للبيئة قد تستغرق أكثر من عشر سنوات (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في "كفركلا"، التي كانت تضج بالحياة وتُلقب بـِ "عروس الجنوب"، لأعراسها التي كانت تمتد لأسبوع كامل، لم يعد للمكان معالم واضحة. هنا، حيث كانت تفوح رائحة زيت الزيتون من المعاصر الخمس، بات المشهد عبارة عن كتلة واحدة من الرماد، حيث وصلت نسبة الدمار إلى 88% وفق أرقام "المجلس الوطني للبحوث العلمية"، بينما أدت أعمال التجريف إلى تحويل المساحات إلى كتلة بلا معالم، لدرجة أن الأهالي لم يعودوا قادرين على إيجاد مواقع منازلهم وأراضيهم.

 

اغتيال مشروعه وابادة الزيتون

"لقد اقتلع العدو الإسرائيلي كميات كبيرة من الأشجار ولا سيما الزيتون. أبادوا مشروعي تماماً كحال مشاريع الجميع. وتعرّض منزلنا والأشجار المحيطة به للتجريف"، يقول المهندس علي سرحان، صاحب مشروع "ماي لاند"  (My Land). ويروي ابن بلدة كفركلا في حديث لـ "المدن" قصة واحة الزراعة العضوية التي بناها بجهده لتكون نموذجاً للحياة المستدامة، قبل أن تتحول إلى أرض محروقة.

 

يضيف سرحان أن "المشروع كان عبارة عن زراعة كل شيء عضوي (Organic) . كان السكان يأتون لقطاف الخضار والفواكه العضوية مثل البندورة، والخيار، والخس، حسب الموسم. ويبتاعون البيض البلدي. وكنا نصنع الألبان والأجبان. وكان كُلّ إنتاج المشروع يُحجز مسبقاً. لم نكن نستخدم المبيدات الكيميائية، بل كنا نعتمد على السماد العضوي، وأحياناً نستخدم مصل اللبن المخفف بالماء لرش الأشجار لمكافحة حشرة المنّ". 

 

كان سرحان يزرع أنواعاً مختلفة من الخضر الصيفية مثل البندورة الجبلية والمعلقة، والخيار، والباذنجان، والفلفل الحار والرومي. وفي الشتاء كان يزرع الخس، والملفوف، والبروكلي، والقرنبيط. ويستخدم سماد الدواجن والأغنام بعد تخميره لتسميد المزروعات. وأتت الحرب وقضت على مشروعه واقتلع العدو وأباد أشجار الزيتون التي ورثها عن أجداده، وهي أشجار معمرة يتجاوز عمرها 300 عام.

 

تشتهر البلدة بزيت الزيتون، وتضم نحو خمس معاصر زيتون، منها الحديث ومنها ما يعمل بالحجر التقليدي، وكان الجميع يقصد كفركلا لعصر الزيتون. لكن البلدة تعرّضت لعدوان منهجي جعلها الخامسة على صعيد لبنان لناحية عدد الاستهدافات. وقصفها العدو الإسرائيلي بشكل متواصل لمدة 338 يومًا، شملت 131 يومًا من الغارات الجوية، و130 يومًا من القذائف المدفعية، و44 يومًا من عمليات التفجير "النسف المباشر". ومن أصل 1450 مبنى، لم يبقَ سوى حوالي 280 قائماً، وجزء كبير منها مهدد بالهدم. وتحولت أجزاء واسعة من أراضيها الملاصقة للجدار (بعمق 300-500 متراً) إلى منطقة محظورة يُمنع على أي شخص، بما في ذلك الجيش اللبناني واليونيفيل، الاقتراب منها. هذه خلاصة ما جاء في دراسة "في مواجهة الإبادة البيئية في لبنان: توصيات للانخراط الرسمي والمجتمعي في التعافي المستدام"، التي أعدها فريقي مبادرة الإصلاح العربي (Arab Reform Initiative) واستديو أشغال عامة (Public Works Studio)

 

وتوضح سارين كاراكجيان، مديرة برنامج البيئة في مبادرة الإصلاح العربي، في حديث لـ "المدن" أن فريقي المنظمتين انطلقا في إعداد الدراسة نظراً لأن "الاستهدافات الإسرائيلية للجنوب لا تقتصر على الأرض فحسب، بل تمتد لتشمل الاقتصاد والأموال وكافة سبل العيش المتاحة حالياً في الجنوب".

 

وتضيف كاراكجيان أن "الهدف الأساسي من ذلك هو الوصول إلى سبل للمناصرة ووضع توصيات سياسية، كي لا تبقى الدراسة حبيسة الرفوف، بل لتكون أداة قادرة على تغيير السياسات المحلية والضغط على الدولة اللبنانية والجهات المعنية، لنستطيع وضع توصيات مستقبلية حول كيفية توصيف 'الإبادة البيئية' كجريمة حرب وملاحقتها ضمن الأطر والمحاكم الدولية"، وممارسة الضغط على الدول المجاورة وعلى إسرائيل والجهات الأخرى المعنية."

 

وتقول: "التوصيات التي نسعى للخروج بها تتمحور حول قضية العودة، أي عودة الأهالي إلى مناطق آمنة. وضرورة وجود محاسبة على كافة الأضرار البيئية والزراعية التي وقعت، وضرورة مساندة الدولة اللبنانية للمواطنين ومواجهة العدو الإسرائيلي عبر تفعيل المحاسبة الشاملة". 

 

وتشير كاراجيان أن لبنان "شهد هذا المسار منذ العام 2006 وحتى الآن، وما نراه اليوم هو تكرار لهذه "الإبادة البيئية" التي استمرت بوضوح خلال الأسبوعين الماضيين"، معتبرة أن "المحاسبة هي الأولوية القصوى للمرحلة المقبلة، بالإضافة إلى العمل على تهيئة المساحات للأهالي لتمكينهم من العودة إلى أراضيهم الزراعية، ومنح البلديات والأهالي الصلاحيات اللازمة على أرض الواقع".

 

تاريخ الدمار في كفركلا

"هذا الاستهداف المباشر للأرض تُرجم في بلدة "كفركلا" إلى سياسة محو شاملة"، تقول يارا عبد الخالق، باحثة ومنسقة المناصرة في استديو أشغال عامة لـ"المدن". وتضيف عبد الخالق أن "هذه الدراسة تسلط الضوء على بيانات استُمدت من عمليات الرصد اليومي التي كنا نقوم بها منذ الثامن من أكتوبر 2023. وهي تقدم وتصنف أرقاماً دقيقة تتعلق بعدد الأيام التي تعرضت فيها القرى والبلدات في الجنوب اللبناني والمناطق الحدودية للقصف بالفوسفور، بالإضافة إلى توثيق أنماط القصف المتعددة والأهداف المتنوعة".

 

وتشير عبد الخالق إلى أن "فريقي البحث قد تمكّنا من توثيق أنماط الدمار التي طالت سبل العيش، والقطاع الزراعي، والمباني، وغيرها، وذلك من خلال خرائط توضيحية تضمنتها الدراسة". علاوة على ذلك، "حاولت الدراسة رصد الواقع على الصعيد الرسمي، من خلال تتبع الأرقام الصادرة في التقارير الرسمية المختلفة، والخطوات المتخذة رسمياً ومجتمعياً"، وفق عبد الخالق، مضيفة أن "الدراسة سعت إلى تسليط الضوء على الثغرات وتقديم توصيات حول السبل الممكنة للتعافي الزراعي والبيئي، وقضايا العودة، وإعادة الإعمار".

 

وفق الدراسة، معاناة كفركلا ليست وليدة اليوم، ففي العام 1952 هاجم إسرائيليون رعاة البلدة وسرقوا المواشي، وفي العام 1961 أكد نواب لبنانيون وجود آلاف المنكوبين من أهالي البلدة الذين يملكون أملاكاً اغتصبتها إسرائيل داخل فلسطين المحتلة ولا يزالون يحتفظون بصكوك ملكيتها. كما تحتوي البلدة القديمة على 6 عيون مياه، ويوجد تحتها نهر جوفي يرفد نهر الليطاني. وقد أدى التجريف إلى تدمير الجور الصحية وتسرب مياه الصرف الصحي وتلويث هذه المياه الجوفية. 

 

وتشير الدراسة إلى أن القوات الإسرائيلية استخدمت 3 قنابل ارتجاجية ثقيلة خارقة للتحصينات في غارة واحدة يوم 13 آب 2024، سُمع دويها في مختلف مناطق الجنوب، وقد وثقت "منظمة العفو الدولية" تدمير أكثر من 54 هكتاراً من البساتين في كفركلا بين أيلول 2024 وكانون الثاني 2025. بالإضافة إلى ذلك، تكشف الدراسة أن الجيش الإسرائيلي يتمركز حالياً في 3 نقاط غير ثابتة داخل الأراضي اللبنانية في كفركلا، وهي تختلف عن "النقاط الخمس" المشهورة إعلامياً. وعلى الرغم من فداحة الأضرار، تلفت الدراسة إلى غياب أي مسح ميداني رسمي شامل حتى اللحظة بسبب الأوضاع الأمنية.

 

التلوث الفوسفوري العابر للأجيال

وفق الدراسة أيضاً، تعرضت كفركلا للقصف بالفوسفور الأبيض لمدة 26 يوماً، وهي الثانية في الجنوب لناحية كثافة هذا النوع من القصف. 

وأظهرت تحاليل في 8 مواقع داخل البلدة وجود بقايا فوسفور بصورته "غير المتفاعلة" (شديدة السموم)، ما يشكّل خطراً بيئياً طويل الأمد قد يمتد لعقود. كذلك، جرى تجريف وإحراق وتدمير أكثر من 54 هكتاراً (133 فدانًا) من البساتين وحقول الزيتون المعمرة في البلدة، وفُقدت جميع خلايا النحل بالكامل، كما سُجلت حالات نفوق وتشوه في أجنة المواشي نتيجة التعرض للفوسفور.

 

لم تكن كفركلا البلدة الوحيدة في الإبادة البيئية، فقد تسبب العدوان الإسرائيلي على لبنان بأضرار بيئية جسيمة بلغت قيمتها نحو 501 مليون دولار أميركي. أما الخسائر البيئية الناتجة عن فقدان الوظائف الطبيعية، فقد بلغت 759 مليون دولار، مع تقديرات بأن الاستعادة الكاملة لهذه الوظائف قد تستغرق أكثر من عشر سنوات. وفيما يخص القطاع الزراعي، بلغت الخسائر حوالي 742 مليون دولار، وهي تمثل الإيرادات المفقودة نتيجة تدمير الإنتاج واقتلاع الأشجار وعدم القدرة على حصاد المحاصيل. وقد شملت الأضرار المباشرة التي قُدرت بـ 79 مليون دولار تدمير البنية التحتية الزراعية، وأنظمة الري، ونفوق أعداد هائلة من الثروة الحيوانية، بما في ذلك حوالي 3 ملايين دجاجة و5 آلاف خلية نحل.

 

بلدات أخرى

بالإضافة إلى ذلك، شكّل استخدام الفوسفور الأبيض أداة أساسية في "الإرهاب البيئي" الممارس ضد الجنوب، وفق الدراسة، حيث طال القصف أكثر من 61 بلدة. وكانت بلدات الخيام وكفركلا وميس الجبل الأكثر تعرضاً لهذا السلاح، حيث سجلت الخيام وحدها 29 يوماً من القصف الفوسفوري. وأظهرت الفحوصات المخبرية أن تركيز الفوسفور في التربة في بعض المواقع تجاوز الحد الطبيعي بـ 900 ضعف. ويحذر الخبراء من أن الفوسفور يبقى في التربة بصورته غير المتفاعلة والسامة للغاية (P4) لفترات طويلة، مما يهدد الأمن الغذائي والصحة العامة.

وتقول سارة سلوم، ممثلة عن الحركة الزراعية: "تترك الاعتداءات الإسرائيلية آثاراً كارثية تتجاوز اللحظة الراهنة؛ فهي تؤثر بشكل مباشر على المياه، والكائنات الحية، والأحراج، والغابات، وأراضي المزارعين، مما يهدد التنوع البيولوجي الهام جداً في المنطقة".  

وتضيف سلوم أن "المؤسف هو غياب العمل الجدي والممنهج من قبل الحكومة الحالية في رصد هذه الانتهاكات أو وضع خطط استجابة سريعة على أرض الواقع".

 

"ما تبقى من أشجار لم تُجرف، لا بل تعرض للاحتراق نتيجة الغارات التي استهدفت محيط المنزل. لقد دُمر المنزل والمزرعة بالكامل"، يقول علي سرحان، مضيفاً أنه "انتشرت القذائف الفوسفورية في بعض أراضي كفركلا، وتحديداً في المناطق الواقعة على الحدود مباشرة". بالنسبة إلى سرحان، فإن "الإبادة البيئية" تجعل "الأرض غير صالحة للعيش، سواء للإنسان في المقام الأول، أو للحيوان والنبات، وهي تجريد الأرض من كلّ مقومات الحياة بحيث لا يمكن استعادتها". 

 

سردية البقاء في مواجهة "الإبادة المكانية"

وفق الباحثة عبد الخالق "القوات الإسرائيلية مارست ما وصفته الدراسة بـ "الإبادة المكانية"، حيث دُمّرت 22 قرية حدودية بالكامل تقريباً من أصل 29 قرية واقعة على الشريط الحدودي". وقد استخدمت إسرائيل أداة "النسف الجماعي" وتفجير المربعات السكنية في حوالي 45 بلدة جنوبية، وشمل ذلك تدمير المنازل، البنى التحتية، المرافق الصحية، والمعالم التراثية والدينية. تهدف هذه السياسة إلى تحويل المناطق الحدودية إلى "منطقة عازلة" قاحلة وغير مأهولة، مما يعوق عودة السكان واستعادة حياتهم الطبيعية"، وفق ما قالته عبد الخالق. 

 

يحزن سرحان، المقيم حالياً في بلدة جزين، لعدم تمكنه من إعادة إنشاء المشروع في مكان آخر غير معتاد عليه. ويقول: قد تجد منزلاً ولكنك لن تجد الأرض التي تريدها ولا الأشجار التي زرعتها واعتنيت بها لعشرات السنوات. ويتحسر لأنه بعد عودته إلى كفركلا "يحتاج إلى وقت طويل لإزالة الردم وإعادة التأسيس من جديد، لأن الأمر يشبه البدء من الصفر، إذ يتوجب عليك إعادة الزراعة والانتظار حتى يكبر الشجر ويعود الاخضرار الذي كان موجوداً سابقاً".

 

الفسفور الحارق 

استندت خلاصات الدراسة إلى معطيات البحث الميداني، بالإضافة إلى جلسات عمل عُقدت مع السكان المتضررين ومع جهات فاعلة ومؤثرة على الأرض، سواء كانت رسمية أو غير رسمية. وتقول عبد الخالق: "اخترنا كفركلا بناءً على عملية الرصد اليومي التي كنا نقوم بها منذ الثامن من أكتوبر لأنماط القصف، والأسلحة المستخدمة فيه، وعدد الأيام التي تعرضت خلالها هذه القرية الحدودية والجنوبية للقصف؛ حيث تبين أن "عروس الجنوب" كانت ثاني أكثر قرية تتعرض للقصف بالفوسفور الأبيض، وهي من القرى التي واجهت سيناريو محوٍ شامل، حالها كحال غيرها من القرى الحدودية". 

 

وتضيف أن الفريق البحثي "عقد جلسة مع سكانها المتضررين، وتمكن من خلال الخرائط من توثيق أنماط المعيشة التي كانت سائدة فيها، واستعراض واقع القرية زراعياً، وعلى صعيد تربية النحل والمواشي وغيرها، سواء في الجوانب الاقتصادية أو الزراعية أو المعيشية. استطعنا من خلال هذه الخرائط إظهار كيف كانت هذه القرية الحدودية مركزاً للمعيشة المستدامة، وكيف كان سكانها يتمتعون بالاكتفاء الذاتي من الزراعة وغيرها. كما هدفنا إلى وضع سردية مقابلة لسردية 'المنطقة العازلة' أو المنطقة التي يُراد تحويلها إلى منطقة اقتصادية، مما قد يمنع هؤلاء السكان من العودة إلى قراهم".  

 

وعود "إعادة الإعمار" الحبيسة

وحول إعادة الإعمار تقول عبد الخالق: "وجدنا أن الاستجابة الرسمية في ملف إعادة الإعمار، حاضر في الخطابات الرسمية، وفي البيان الوزاري، وفي التصريحات الصحفية، لكننا لم نلمسه فعلياً على أرض الواقع". 

وتضيف أنه "رُصد في الموازنة - وتحديداً في المسودة الأساسية التي قدمتها الحكومة - نسبة أقل من 0.5% لموضوع إعادة الإعمار. وهذا يشير إلى غياب الجدية في التعاطي مع هذا الملف من خلال تخصيص تمويل داخلي سيادي؛ إذ يظل الاعتماد دائماً على القروض الخارجية والوعود بها".

 

وتشير عبد الخالق إلى أن "قرضين وصلا إلى لبنان، أحدهما سيُخصص لعملية إزالة الركام وما شابه، والملفت أن هذا القرض يمنح الأولوية للمناطق المأهولة بالسكان، مما يؤدي إلى تهميش القرى الحدودية". بالإضافة إلى ذلك، "لم تُقر الدولة قوانين فعلية للتعامل مع الموقف، بل اكتفت بإقرار قانون للإعفاءات الضريبية وإعادة الإعمار، وهو قانون يتعامل مع الإعمار من منظوره التقني فقط (أي كبناء خرساني)، بدون أن يتطرق إلى جوانب التعافي البيئي، والزراعي، والاجتماعي، والاقتصادي". 

 

ووفق عبد الخالق، فإن "الحكومة وضعت ما يشبه 'مسودة استراتيجية' تتعلق بالنزوح والعودة وإعادة الإعمار، إلا أن هذه الاستراتيجية لا تزال حبراً على ورق؛ فقد وضعتها لجنة إعادة الإعمار ولم تُعلن رسمياً، كما لم يتم إشراك الأشخاص المتضررين في عملية صناعة هذا القرار". والمستغرب أنه "صدر عن الحكومة مؤخراً 'إطار مرجعي' يتعلق بموضوع التعويضات، يربط بين ملف تعويضات مرفأ بيروت وملف تعويضات الحرب الحالية". 

 

وتؤكد أن "الإطار يتحدث عن إبادة زراعية وبيئية ويصفها بوضوح، إلا أنه لا يضع أي خطوات عملية للتحرك تجاهها، ولا يتضمن أي شق تنفيذي في هذا السياق". وتشير إلى أنه "يهمش القرى الحدودية بحجة أن 'الوضع صعب'، والحل بحسب الحكومة هو اللجوء إلى بدلات الإيواء".

 

وتعتبر عبد الخالق أننا "لا نرى سياسة شاملة من الدولة في ملف إعادة الإعمار، كما يغيب الإطار التنسيقي المتكامل. الدولة لا تُشرك الناس المعنيين على الأرض، ولا تُشرك البلديات، وهناك غياب للتنسيق بين الوزارات وبين الجهات العاملة في الميدان". 

 

وبرأيها، "هذه فجوة كبيرة جداً وشائبة تعتري هذا الملف، ولن نشهد تقدماً سريعاً فيه إلا بوجود تنسيق فعلي بين هذه الجهات، ووضع خطة حقيقية، وتوفير التمويل اللازم لها، أو على الأقل البدء بتخصيص تمويل سيادي لإطلاق هذه الخطط".

 

تفكيك سردية العجز المالي

من جانبها تقول الصحافية الاقتصادية فيفيان عقيقي: "إذا ألقينا نظرة شاملة على مواردنا المتاحة، سنجد أن الدولة اللبنانية تملك أموالاً يمكن استخدامها. فمنذ بداية الأزمة وحتى اليوم، جُمع من الضرائب التي ندفعها جميعاً ما يعادل 9 مليارات دولار موجودة في حساب الدولة لدى مصرف لبنان. يُضاف إلى ذلك احتياطي يتراوح بين 11 و12 مليار دولار في مصرف لبنان، فضلاً عن الأصول السيادية التي نمتلكها كالذهب". 

 

وتضيف أن "المعضلة الأساسية التي تواجه مسألة إعادة الإعمار تكمن في موضوع التمويل"، مشيرة إلى أنه "في التجارب السابقة لإعادة الإعمار، كان الاعتماد يرتكز بشكل أساسي على القروض أو المساعدات الخارجية. أما اليوم، فالمشكلة تكمن في أن هذه القروض والمساعدات غالباً ما تكون مشروطة؛ وهي اليوم مرتبطة بشرط سياسي قد يكون تنفيذه صعباً أو يتطلب وقتاً طويلاً، وهو موضوع سلاح حزب الله أو حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية". 

 

وتوضح عقيقي أنه "في الفترات السابقة، كان الاتكال ينصبُّ بشكل أساسي على التمويل الخارجي، سواء عبر القروض أو المساعدات التي تقدمها دول الخليج، أو إيران، أو بعض الدول الأوروبية والمؤسسات المالية العالمية"، متسائلة "هل نحن رهينة لهذا الخيار الوحيد؟ أم أن هناك خيارات أخرى يمكن للدولة اللجوء إليها للقيام بواجباتها تجاه هؤلاء الناس؟".

 

وفق عقيقي "هناك مئة ألف مشرد ونازح، إما في الطرقات أو لدى أقاربهم، ولا يستطيعون العودة إلى منازلهم". واليوم "كل الحديث يتمحور حول كيفية تسييل الذهب لتعويض خسائر المصارف، في حين يغيب الحديث عن كيفية الاستفادة من هذا الأصل السيادي لخدمة المجتمع". 

 

وفق عقيقي "الموارد موجودة، ولسنا مضطرين للاعتماد الكلي على مساعدات أو قروض مشروطة تأتي من الخارج". 

 

ليست كفركلا مجرد ركام، بل هي شاهدة حيّة على محاولة اقتلاع الجذور قبل البشر. إن إنقاذ ما تبقى من 'عروس الجنوب' يتجاوز حدود الترميم الإنشائي؛ إنها معركة لاستعادة الأرض من براثن التلوث الكيميائي، وفرض محاسبة دولية تضمن ألا يتحول صمود الجنوبيين إلى رماد نسيان.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث