في الطريق إلى بلدة حولا الحدودية، يتكرر المشهد الجنوبي نفسه، لكن بنبرة أكثر خشونة لمعالم الحرب المدمرة. المشهد هنا أشبه بصورة قديمة أعيد طبعها بحبر أثقل. قرى تبدو من بعيد ساكنة، شبه سليمة، كأنّ الحرب مرّت بمحاذاتها ولم تدخل. واجهاتٌ واقفة، مآذنُ تصعد بهدوء، وأشجارٌ لا تزال ترسم حدود المكان. غير أنّ هذا الهدوء، عند الاقتراب، ليس إلا قشرة رقيقة. وما إن تغوص في القلب حتى ينكشف كل شيء دفعةً واحدة: خرابٌ كثيف، جدرانٌ مبتورة، وأسقفٌ هبطت بلا إنذار.
عند أطراف البلدة تظنّ أنّ الأذى محدود. إسفلت الطريق حديث العهد هنا، ومقطع رُمم على عجل هناك. ترقيعات فوق الردم، كأنّ البلدة تحاول أن تُعيد ترتيب ملامحها أمام العابرين. لكن كل خطوة إلى الداخل تُسقط وهماً جديداً.
أقصى الطريق
تمشي، فتتبدّل الأصوات. يختفي المارّة، ولا يعود ثمّة ضجيج محرّكات. لا يُسمع سوى وقع خطواتٍ متردّدة فوق حصىً ورماد. البلدة، كأنّها تُخفّض صوتها إلى الحدّ الأدنى، تُصغي لخطاك أكثر مما تُخاطبك.
أثناء المرور، في أحد الأزقة، تجلس مسنّة اسمها سمية. في بيتها الذي نجا بنصفه، فتحت دكّانة صغيرة. رفوف قليلة، برّاد متعب، كنبة قرب الباب. تخبر "المدن" "بيتي أكل غارة". ثم تشرح، كأنّها تستعيد شريطاً محفوظاً "عندما اندلعت الحرب، لم أتمكّن من الخروج. استُهدف جزء من المنزل بينما كنت داخله. لاحقًا، غادرتُ مع قوات اليونيفيل".
تقولها بلا انفعال كبير، بنبرة عملية اعتادت توصيف الكارثة كحدث يومي. عادت لاحقاً، فتحت متجرها، وأعادت ترتيب ما أمكن ترتيبه.
تكمل طريقك في البلدة حتى تصل إلى آخر نقطة يمكن الوصول إليها. هناك يقف موقع الدواوير من الجهة المقابلة، يراقب كل تحرّك. المشهد يشبه صورتين متقابلتين للحدود. الجيش الإسرائيلي مجهّز بالكامل، مواقع مراقبة ثابتة، تحصينات واضحة، كاميرات ومعدات متطورة، حضور دائم وقوة محسوسة.
بين الجهتين، يظهر الجيش اللبناني بحضور متحفّظ، في "بيت" من الأترنيت بالكاد يحميهم من برد الليل، وبعض الجنود ينامون داخل الآليات العسكرية. إقامة معلّقة داخل مكان معلق، حيث كل شيء يبدو مؤقتاً: السكن، الهدوء، وحتى الاطمئنان. القوة الملموسة عند الجانب الآخر تصطدم هنا بالمرونة، بالصبر، وبحيلة البقاء على أرض متضررة، حيث كل خطوة تحتاج حساباً، وكل حركة مراقبة، وكل هدوء حذر.
في هذا التباين، يتجلى الفرق بين تجهيز الجيشين: قدرة على السيطرة من جهة، وقدرة على التحمل والصمود من جهة أخرى.
العودة الممكنة
عاد بعض أهالي حولا إلى كلّ ما فقدوه لأن المغادرة بدت أشدّ إيلاماً من البقاء. الخروج هنا ليس انتقالًا مكانيًا فحسب، بل كسر لروابط الأرض، وترك لما تبقّى من الذاكرة خلفهم. في هذا المكان، لا يكون البقاء شجاعةً دائماً، بل عجزاً عن استمرار الحياة في مكان آخر.
رانيا، تركت حولا في الحرب، تدمّر منزلها، استأجرت في صفد فترة.. ثم عادت واستأجرت بيتًا في أيلول الماضي داخل البلدة، هربًا من غلاء الإيجارات في الخارج. تدفع اليوم مئة دولار بدل إيجار. عادت، وزرعت أمام المنزل. تجمع الخسّ بيديها، وتضحك بنبرة نصفها تحدّ ونصفها واقعية: "الآن رفعوا الأسعار… هكذا يقولون."
وعن الحياة في حولا تقول رانيا: "تعودنا". وتشير إلى السماء: "صرلها كم يوم ما طلعت الدرون… بس وصلنا لمحل صرنا نعملها بوزات."
كرم الجنوبيين
تمشي في القرى، فيراك الجميع. يتبادلون معك السلام بلهفة حميمة؛ بعضهم يظنّك واحداً من أبناء البلدة خانه الاسم أو تبدلت الملامح، وبعضهم يفعلها بدافع عادة متجذّرة لا تحتاج إلى سبب.
فوق الركام، تنهض عادة لا تموت: الضيافة. لا تكاد تجلس مع أحد أو تتبادل معه أطراف الحديث، إلا ويبادر إلى عرض شيء عليك، مهما كان بسيطاً: كأس ماء، فنجان قهوة، قطعة حلوى. كأن الإكرام هنا ليس تفصيلاً اجتماعياً عابراً، بل فعل مقاومة صامت، وآخر خط دفاع عن هوية مكان يرفض أن يتعرّى بالكامل، رغم كل ما انكشف من جدرانه وذاكرته.
الخوف من الكاميرا
معظم الجنوبيين في القرى يرفضون التحدث أو الظهور أمام العدسة. ليس ترفاً ولا مزاجاً، بل خشيةٌ مباشرة من أن يتحوّل الوجه إلى هدف. عند سؤاله، يختصر أحد القاطنين المعادلة بمرارة عملية: "إنتِ بتعملي تقرير… وأنا بيضربوني غارة."
الجملة ليست مبالغة، بل تعبير دقيق عن حساب يومي للمخاطر. يستذكر ما حدث مع أناس يعرفهم في الجنوب: تحدثوا أمام الكاميرا عن مصالحهم، وقالوا إنهم عادوا ولن يغادروا مجدداً. بعد أيام، استهدفتهم طائرة مسيرة.
هنا، يقاس الظهور بميزان ثقيل: بين رغبة في رواية ما جرى، وخوف من أن تصبح الرواية نفسها سبباً لغارة.




