في الطريق إلى يارون، يتبدّل الجنوب فجأة، كأنك تعبر من زمن إلى آخر. آتياً من النبطية وصور، حيث الشوارع مكتظة، والمحال التجارية مضاءة، والناس يتدافعون بين قهوة ومشاوير وأحاديث يومية، تدخل منطقة أخرى من البلاد؛ جنوبٌ آخر، أقل ضجيجاً، أكثر انكشافاً، وأشدّ هشاشة.
هنا، في قضاء بنت جبيل، تبدأ قرى الحافة الأمامية المباشرة. بلداتٌ تلاصق الحدود مع فلسطين المحتلة، وتعيش على تماس دائم مع الاحتمال: احتمال القصف، احتمال التوغّل، احتمال أن يصبح البيت خبراً عاجلاً أو صورة عابرة على الشاشات. في هذه الجغرافيا، لا يعود الدمار حدثاً استثنائياً. يصير جزءاً من المشهد، تفصيلاً ثابتاً في يوم مفتوح على الهواء.
البلدة التي لم تخرج من الحرب
يارون، التي تُعدّ من أكثر البلدات تعرضاً للقصف الإسرائيلي، تبدو كأنها خرجت لتوّها من حرب لم تنتهِ بعد. البيوت واقفةٌ بنصف ملامح، جدران مكشوفة على غرفها، أبواب معلّقة بين البقاء والسقوط.
تمشي، فلا تسمع سوى وقع خطواتك. البلدة شبه خالية. لا محال مفتوحة، لا حركة تُذكر، لا إيقاع يومي يشبه ما تركته خلفك في المدن القريبة. الصمت هنا ليس هدوءاً. هو نتيجة.
بعض سيارات قوات اليونيفيل تتجوّل في البلدة. حضور هادئ، عابر، يشبه محاولة للحفاظ على شكل ما من النظام وسط الفوضى. تمرّ العربات بين الركام، تتوقّف أحياناً، ثم تتابع طريقها ببطء محسوب.
لا تغيّر هذه الدوريات المشهد، لكنها تمنع اكتمال الغياب. تترك أثراً خفيفاً على من بقي في البلدة، حركةً قصيرة في مكان جامد، إشارة إلى أن ثمة عيناً لا تزال تراقب.
بلدة شبه خالية
في الأزقّة، تتراكم التفاصيل كأنها بقايا يوم توقّف فجأة. غسالةٌ مقلوبة في باحة، لعبةُ طفل نصف مدفونة تحت الغبار، ستارة متّسخة تتدلّى من نافذة بلا زجاج. أشياء يومية فقدت وظيفتها، لكنها لا تزال تحتفظ بإشارات حياة كانت هنا، حياة لم تُودّع أحداً قبل أن تنكسر.
حتى الطبيعة تبدو مرتبكة. أشجار زيتون مقطوعة، أخرى محترقة، وثالثة واقفة كأنها نجت صدفة أو نسياناً. الضوء نفسه مختلف؛ حادّ، كاشف، بلا ما يكفي من ظلال لستر الندوب. كل شيء مكشوف على جرحه: الحجر، التراب، والذاكرة.
يارون شبه خالية من السكان. ليس فقط بفعل الاستهداف خلال الحرب، بل أيضاً نتيجة الاعتداءات المتكرّرة والانتهاكات المستمرّة: قصفٌ مدفعي، توغلات، نسف منازل، وتمشيط دائم من المواقع المقابلة. الحياة انسحبت خطوةً خطوة، بلا ضجيج، تاركة خلفها بيوتاً بلا أبواب، نوافذ بلا زجاج، وساحات بلا ضحكات.
تمشي، فتشعر أنّ البلدة تُصغي إلى وقع خطواتك. الطرقات وعرة جداً؛ حفرٌ، ركام، حجارة مبعثرة. بالكاد ترى بيتاً صالحاً، وبالكاد تصادف إنساناً. البيوت القديمة، بحجرها العتيق، تقف كأرشيف مفتوح للذاكرة: هنا كان مدخل، هناك شرفة، وهناك حياةٌ كاملة اختُصرت إلى جدار.
الأكثر إيلاماً، ربما، ليس الخراب وحده. بل الكلاب الشاردة التي بالكاد تتحرّك. منبطحة على الأرض، ساكنة، لا تهرب حتى حين تقترب منها. تنظر بعيون مطفأة، كأنها استقالت من غريزة النجاة. تبدو مستسلمة، ضعيفة، غير مبالية بما قد يحدث.
فجر آخر للنسف
أحد أبناء القرية نصب شبه خيمة على طرف الطريق، فتح ما يشبه مقهى مؤقتاً: موقدٌ صغير، ركوة قهوة، بضع علب مشروبات غازية، وكرسيان ينتظران زبائن لا يأتون إلا نادراً. خلال دورياتهم، يستريح عنده بعض عناصر قوات اليونيفيل.
يتفاجأ بنا. يبتسم بتلك الدهشة التي يشوبها الحذر. يأخذ نفساً طويلاً، كأن الزيارة حدثٌ غير مألوف في يومٍ اعتاد القلة.
فجر الخميس الماضي، توغّلت قوة إسرائيلية من أحد المواقع المقابلة، التي لا تبعد سوى كيلومترين تقريباً عن وسط البلدة. نسأل فؤاد عن البيت الذي فجرته القوات الإسرائيلية. يجيب ببساطة: "هلق بوصلكم".
يصعد على دراجته النارية، يسير أمامنا بين الطرقات الوعرة. نصل. يتوقف. يشعل سيجارة. ينظر حوله قليلاً، ثم يبدأ الحديث عن "كيف كانت البلدة والبيوت" و"كيف صارت".
في تلك العتمة، تقدّمت القوات الإسرائيلية. فخّخت منزلاً، زرعت المتفجرات في محيطه، ثم فجّرته. لم يكن المنزل استثناءً. كان يقع في حارة شبه مدمّرة أصلاً، بين جدران مثقوبة وأسقف مائلة، وبين أشجار زيتون قُطعت كأنها تُستكمل بها جملة الخراب.
يمرّ رجلٌ من أبناء المنطقة بسيارته. يلمحنا، يتوقف. يقول "بيتي بموقع عال ومطل. كنت أتسحّر. سمعت أصواتاً. ظننتهم اليونيفيل أو الجيش. ثم جاء صوت التفجير. عندها عرفت: هني".
لا رمضان هنا
بين صوت وصوت، تتلاشى الحدود بين التوقّع واليقين. في يارون، لا يُشبه الفجر ما يُفترض أن يكونه. ليس موعداً للسكينة ولا للسحور، بل احتمالاً مفتوحاً للنسف. لحظة معلّقة بين همس الليل وتفجير أو قصف قد يأتي بلا تمهيد.
لا أجواء رمضانية هنا. لا زينة، لا أضواء، لا أصوات سهر بعد الإفطار. الصمت يملأ الأمكنة التي كان يُفترض أن تمتلئ بالحياة. على مسافة غير بعيدة، تبدو الصورة مختلفة في النبطية وصور، محال مفتوحة، حركة، إيقاع مدينيّ يحاول مقاومة ثقل الحرب.
أمّا هنا، فعتمة مبكرة، وهدوء ثقيل، وبلدة تؤجّل طقوسها بانتظار ما هو أبعد من رمضان.
سيرة ما بعد الدمار
يارون ليست بلدة مدمّرة فحسب، بل مرآة حال قرى حدودية معلّقة: بين حرب لم تُغلق تماما، وهدوء لا يُطمئن، وعودةٍ مؤجّلة. هنا، السكون ليس راحة، بل أثر ما حدث وما قد يحدث. البلدة التي كانت يوماً ممتلئةً بأهلها، بأشجارها، بأصواتها، تقف الآن كأنها تتدرّب على احتمال طويل، على انتظار بلا موعد واضح.




