الذكاء الاصطناعي يتوقع الجرائم قبل وقوعها

سامي خليفةالأحد 2026/02/22
Image-1771674121
التقنيات الجديدة تساعد في تحديد المواقع عالية الخطورة والمعروفة ببؤر الجريمة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تخيل أن تمتلك نظاماً أمنياً ينبهك إلى احتمال وقوع سرقة من متجرك قبل دقائق من حدوثها، أو وجود كاميرات مرور قادرة على التنبؤ بالحوادث عند التقاطعات الخطرة وتنبيه خدمات الطوارئ قبل وقوع أي تصادم. ما نتحدث عنه هنا ليس خيالاً علمياً، بل هو واقع تكنولوجيا السلامة العامة التي بدأت بعض الدول في تطبيقها وستتطور كثيراً في السنوات القليلة المقبلة. 

 

تكنولوجيا الأمن تطورت عبر ثلاث مراحل متميزة. ففي "حقبة التسجيل" (من الستينيات إلى العقد الثاني من الألفية الثانية)، ظهرت الكاميرات كأداة لجمع الأدلة، وهي قيّمة للتحقيقات بعد وقوع الحوادث، ولكنها غالباً ما تكون متأخرة جداً. أما "حقبة الكشف" (من العقد الثاني من الألفية الثانية وحتى اليوم)، فقد أتت بتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تتعرف على الأشياء والأشخاص والمركبات في الوقت الفعلي.

 

حالياً بدأت المرحلة الثالثة ويطلق عليها الخبراء "عصر التنبؤ"، حيث يحدد الذكاء الاصطناعي الأنماط والشذوذات والسلوكيات التي تسبق وقوع الحوادث. ووفقاً لتحليلات السوق الحديثة، يشهد سوق مراقبة الفيديو بالذكاء الاصطناعي نمواً متسارعاً بمعدل نمو سنوي مركب قدره 22 في المئة من عام 2024 إلى عام 2031، مع تزايد استخدام الخوارزميات للتنبؤ بالتهديدات قبل وقوعها. ومن المتوقع أن يصل حجم سوق الذكاء الاصطناعي التنبؤي إلى 28.76 مليار دولار بحلول عام 2030.

 

كيف للذكاء الاصطناعي أن يتنبأ؟

استخدام الإحصاءات في التوقع بالجرائم والسرقات ليس بالأمر الجديد حقاً، ففي تسعينيات القرن الماضي، كان التركيز منصباً على العمل القائم على المعلومات الاستخباراتية، أما الآن، فإن الفرص الجديدة التي توفرها البيانات الضخمة تغير طبيعة عمل الشرطة حول العالم. وتشير البيانات الضخمة إلى كمياتٍ هائلة من البيانات التي يمكن تحليلها والكشف عن روابط أو ارتباطات غير متوقعة. ومع ذلك، فإن ما تعرفه البيانات الضخمة ليس سوى جانب واحد من الحقيقة، أما الجانب الآخر فيتضمن التكنولوجيا المستخدمة لمعالجة هذه البيانات وتنظيمها، أي الخوارزميات.

 

تختلف خوارزميات التعلم الآلي عن الخوارزميات "البسيطة" في أنها تتعلم وتتكيف من خلال التجربة. ويحدث هذا الأمر بطرق مختلفة، ففي التعلم الخاضع للإشراف، تستخدم خوارزمية التعلم الآلي بيانات تدريب مصنفة مسبقاً بشكلٍ صحيح من قبل المطورين. وفي التعلم غير الخاضع للإشراف، تحدد خوارزمية التعلم الآلي بشكلٍ مستقل الأنماط والارتباطات في البيانات "الخام".

 

في سياق إنفاذ القانون، يعني هذا عملياً إمكانية تقسيم العمل الشرطي التنبؤي إلى خطوتين متتاليتين وهما جمع البيانات ونمذجتها. فأولاً مع تزايد سعة تخزين قواعد البيانات باستمرار، تُجمع كمياتٍ هائلة من البيانات غير المنظمة من مصادر مختلفة، ويشمل ذلك عادةً بيانات تاريخية عن الجرائم (الزمان والمكان والنوع)، ويُستكمل أحياناً ببيانات اجتماعية واقتصادية ومتغيرات الفرص (مثل سهولة الوصول إلى طريق سريع).

 

ثانياً، تُحلل البيانات باستخدام خوارزميات التعلم الآلي. تتألف هذه العملية من مرحلتي تدريب وتنبؤ حيث يبحث النموذج أولاً عن أنماط في البيانات التاريخية المتاحة (أي ربط المؤشرات بخطر وقوع جريمة)، ثم ينشر هذه الاحتمالات كدرجة خطر. ويمكن تمييز ثلاثة أنواع من العمل الشرطي التنبؤي، بناءً على نوع التنبؤات التي تستطيع النماذج الأساسية تقديمها وهي العمل الشرطي القائم على المنطقة، أي التنبؤ بالزمان والمكان اللذين يرجح فيهما وقوع الجرائم، والعمل الشرطي القائم على الحدث، أي التنبؤ بنوع الجريمة الأكثر احتمالاً وقوعها، والعمل الشرطي القائم على الشخص، أي التنبؤ بالفرد الأكثر احتمالاً لارتكاب فعل إجرامي.

 

قدرات الذكاء الاصطناعي التنبؤي اليوم

يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤي اليوم ولو بدرجات متفاوتة رصد سلوكيات ما قبل السرقة، كالزيارات المتكررة للمحلات التجارية، وأنماط الاستطلاع، والتنسيق بين المتواطئين قبل دقائق من وقوع الجريمة. ويعتمد على تحليلات البيانات لاستباق النشاط الإجرامي المحتمل قبل وقوعه، وقد يشمل ذلك تحليل مجموعات بيانات ضخمة مستقاة من تقارير الجرائم وسجلات الاعتقال والمعلومات الاجتماعية أو الجغرافية لتحديد الأنماط والتنبؤ بأماكن وقوع الجرائم أو هوية المتورطين فيها.

 

تتجاوز أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية بالفعل مجرد رصد الحركة، إذ باتت قادرة على تحديد السلوكيات الشاذة عن المألوف. ويشمل ذلك رصد التسكع في المناطق المحظورة، وتحركات الحشود غير المعتادة، أو وجود أغراض مهجورة، ويمكن تحويل هذه المعلومات إلى بيانات استخباراتية قابلة للتنفيذ.

 

بعد أن استخدمت وكالات إنفاذ القانون في الدول المتطورة تحليلات البيانات لتتبع الاتجاهات العامة لعقودٍ طويلة، فإن تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة اليوم باتت تستوعب كمياتٍ هائلة من بيانات المراقبة وتقارير الجرائم لتوفير تحليل أكثر دقة. وبذلك تستخدم إدارات الشرطة في بعض الدول هذه التقنيات للمساعدة على تحديد المواقع عالية الخطورة، والمعروفة أيضاً بالبؤر الساخنة، حيث ترجح إحصائياً وقوع الجرائم. في المقابل، يسعى التنبؤ الشخصي إلى تحديد الأفراد المعرضين لخطر كبير لارتكاب الجرائم أو الوقوع ضحايا لها.

 

الاتحاد الأوروبي كنموذج

رغم أن الذكاء الاصطناعي التنبؤي لا يزال في المراحل الأولى من تطبيقه عالمياً في مجال مكافحة الجرائم والسرقات، تطبَّق عدد من إدارات الشرطة الأوروبية أسلوب الشرطة التنبؤية، بما في ذلك هولندا، وألمانيا، والنمسا، وفرنسا، وإستونيا، ورومانيا. وتدرس دول أخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل لوكسمبورغ، والبرتغال، وإسبانيا، حالياً إمكانيات تطبيقها.

 

يُستخدم نظام الشرطة التنبؤية حالياً في هذه البلدان بشكلٍ أساسي لمنع السطو على المنازل وسرقة السيارات. وفي هذا المجال، تعتبر هولندا رائدةً لكونها أول دولة في العالم تطبّق نظام الشرطة التنبؤية على نطاقٍ وطني، واستهدف نظامها لاستباق الجريمة المعروف باسم (CAS) في البداية ما يُسمى بـ"الجرائم ذات التأثير الكبير"، أي السطو على المنازل والسرقة والسطو المسلح، ولكنه يشمل الآن أيضاً النشل وسرقة السيارات والجرائم العنيفة والسطو على المحلات التجارية وسرقة الدراجات، وهو يجمع البيانات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية من ثلاثة مصادر وهي قاعدة بيانات الجريمة المركزية، الإدارة البلدية، والمكتب المركزي للإحصاء في هولندا.

 

في ألمانيا يستهدف نظام "Precobs" بشكلٍ أساسي السطو على المنازل باستخدام البيانات التاريخية، وعادةً ما تكون بيانات السنوات الخمس الماضية. وتستخدم النمسا وفرنسا أساليب الشرطة التنبؤية للكشف عن السطو على المنازل والمركبات. فيما تستخدم النمسا بيانات تاريخية عن الجرائم (نوع الجريمة، والوقت، والموقع، وأسلوب التنفيذ، ومعلومات المكان).

أما إستونيا فتتميز بتطبيقها لأساليب الشرطة التنبؤية للتنبؤ بالجرائم القائمة على الأحداث والمناطق والأفراد. ويعتمد تظامها التنبؤي على بيانات الجرائم السابقة (النوع والزمان والمكان)، وبيانات متعلقة بعبور الحدود (المكان والزمان وحالة الهجرة والوثائق ذات الصلة)، والوفيات غير الطبيعية (المتعلقة بالمخدرات وحوادث المرور والقتل).

 

في الولايات المتحدة

من ناحيةٍ ثانية، يستخدم مكتب السجون الفيدرالي الأميركي الذكاء الاصطناعي في مراحل متعددة من عملية السجن الفيدرالي، بدءاً من استقبال السجناء وحتى إطلاق سراحهم. ومن بين أكثر الحالات إثارةً للجدل استخدام الذكاء الاصطناعي التنبؤي لتحليل سلوك السجناء، حيث اعتمد "تصنيف برافو" وهي تقنيات إحصائية للتنبؤ باحتمالية سوء السلوك لدى النزلاء الجدد، تحدد مستويات الأمن المناسبة لهم وفقاً لسجلات الجرد.  

وقد كشف مكتب العدل التابع لوزارة العدل الأميركية مؤخراً عن استخدامه للذكاء الاصطناعي التنبؤي كأداة تقييم السجناء التي تستهدف تقدير المخاطر والاحتياجات. وكما هي الحال في قضايا مكتب السجون الفيدرالي، صُممت هذه الأداة للتنبؤ باحتمالية عودة البالغين المسجونين إلى ارتكاب الجرائم. وتهدف الأداة، المستخدمة منذ تموز 2025، إلى تقليل احتمالية عودة السجناء إلى النظام القضائي، والتنبؤ بمعدلات العودة إلى الإجرام لدى النزلاء الحاليين ومرتكبي الجرائم الجنسية.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث