لا يمكن القول إن ملف التفرغ في الجامعة اللبنانية يراوح مكانه بعد قرار الحكومة الأخير. فعقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، بمعنى أن القضية باتت قضية وقت، إذ دخل الملف في مرحلة شد حبال في جولة أخيرة في محاولة رفع العدد لإرضاء المسيحيين. وتدور حالياً في الكواليس وساطات تحت حجج تأمين التوازن الطائفي كانت أحد أسباب عدم إقرار الملف بالأسماء في الجلسة السابقة للحكومة. لكن خلف لعبة تأمين التوازن ثمة كباش لحشو الملف بأساتذة جدد. واللوائح التي تعدّ كثيرة ومتعددة، بالرغم من أن الدخول في هذا البازار قد يؤدي إلى رفع العدد إلى أكثر من 1800 شخص (نحو 40 مسيحياً ومثلهم شيعة وسنّة تركوا الجامعة لسنوات عدة خلال الأزمة ونحو 40 استاذاً من خارج اختصاص الكليات).
تمنيات البطريرك الراعي
يوم أمس زار رئيس الجامعة بسام بدران البطريرك بشارة الراعي الذي تمنى عليه إعادة النظر في بعض التفاصيل. وتقول مصادر متابعة إن اللقاء كان إيجابياً، ولم يكن هناك عتب من البطريرك على بدران جراء انخفاض نسبة المسيحيين إلى 35 بالمئة. بل تمنى الراعي على رئيس الجامعة إعادة النظر في مجموعة أساتذة مسيحيين هاجروا من لبنان بعد الازمة الاقتصادية وانفجار المرفأ، وأبدوا رغبتهم في العودة إلى لبنان واستئناف عملهم في الجامعة. لكن بدران أكد للبطريرك أن هذا موضوع لا يحل مع رئاسة الجامعة بل مع وزيرة التربية ريما كرامي ورئيس الحكومة نواف سلام.
وتضيف مصادر مطلعة أن البطريركية المارونية مصرّة على إعادة النظر بنحو أربعين أستاذاً تركوا لبنان، سواء لناحية ضمهم إلى ملف التفرغ الذي يعدّه بدران، أو لناحية وضعهم في ملف تفرّغ آخر يقر في مجلس الوزراء. وستجرى لقاءات لهذه الغاية مع وزيرة التربية ومع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لإعادة النظر في الموضوع وإيجاد حل لهؤلاء، الذين إذا أضيفت أسماؤهم إلى ملف التفرغ تتحسن نسبة التوازن ببضع نقاط وترتفع إلى نحو 38 بالمئة.
الحكومة وبابها الموروب
مصادر أخرى تلفت لـِ "المدن" إلى أن الحكومة تركت الباب مفتوحاً لإعادة ضم هؤلاء الأساتذة من خلال عدم تحديد عدد الدفعة الرابعة لملف التفرغ. فقد قررت الحكومة تفريغ 400 أستاذ في الدفعات الثلاثة الأولى ولم تحدد عدد الدفعة الأخيرة، رغم أن الملف الذي عرضته كرامي يتضمن 1653 متعاقداً، أي أقل بـ37 متعاقداً عن الملف السابق، بعد حذف الأساتذة الذين سيخرجون إلى التقاعد قبل مباشرة التفرغ. فهل تعود الحكومة وتدخل أساتذة ليس لديهم عقود مع الجامعة تحت ذريعة تأمين التوازن؟
أحد المتابعين لملفات الجامعة يعتبر أن الموضوع بات بازاراً بكل معنى الكلمة. ويؤكد أن مشكلة القوى المسيحية التي تضغط لحشو الملف بهذا العدد لا تنظر إلى باقي المكونات، بل تعتقد أن المسيحيين وحدهم تركوا البلد بعد الأزمة. لو كان الأمر كذلك تصح نظرية أن إدخال هؤلاء الأساتذة على الملف يرفع نسبة المسيحيين. لكن هناك العديد من الأساتذة السنة والشيعة تركوا الجامعة وهاجروا أيضاً، وعددهم قد يزيد عن المسيحيين. ولا يجوز إدخال مسيحي من دون إعادة النظر بزميله السنّي والشيعي. فعلى سبيل المثال في كلية الفنون اضطرت إحدى المتعاقدات إلى ترك الجامعة لسنتين بعد نحو 19 عاماً من التعليم، وعادت العام الحالي بنصاب يزيد عن 350 ساعة. فهل يجوز عدم تفريغها لأنها من الطائفة الشيعية، وتفريغ أساتذة من غير طوائف درّسوا في الجامعة أقل من عشر سنوات، ولم يعودوا إلى لبنان بعد؟
جولة شد حبال أخيرة؟
وتعتبر المصادر أن القوى المسيحية لا تريد تحسين النسبة التي لن تستوي أبداً. فرفع العدد مجدداً سيؤدي إلى انخفاض نسبة المسيحيين تباعاً. تحسين النسبة "كذبة"، وجلّ تركيز القوى المسيحية على إدخال العدد الأقصى الممكن، طالما أن نسبة المسيحيين أقل بكثير من المسلمين.
وتفيد المصادر أن ملف التفرغ بات في مرحلة شد الحبال في الجولة الثانية، وربما الأخيرة، إلا إذا عادت وتصاعدت مطالب القوى السياسية الطائفية الأخرى. وتشرح أن الجولة الأولى أتت بعد سقطة وزيرة التربية ريما كرامي في وضع معيار استحقاق التفرغ لكل أستاذ لديه مئتا ساعة كنصاب سنوي في العامين الدراسيين 2024 و2025، ومن دون وضع معايير أكاديمية لحاجة الجامعة بحسب عدد الطلاب في كل كلية. حصل الكباش الطائفي وأتت السقطة الثانية بعد كسر معيار النصاب لضم الأساتذة المسيحيين لتأمين توازن مسيحي إسلامي. ثم كرت السبحة واضطرت إلى إدخال أساتذة من الطائفة السنية لتأمين التوازن السنّي الشيعي. انتفخ الملف إلى 1690 أستاذاً، وعادت نسبة المسيحيين وانخفضت إلى نحو 35 بالمئة، فتصاعدت الصرخة لإعادة نفخ الملف من جديد. لكن في جولة الكباش الحالية، قد يقتصر الصراع على كسر المعايير لضم المسيحيين وحدهم، في حال لم تبرز مطالب مقابلة من طوائف أخرى. وتمرر الحكومة الجميع على قاعدة من "شرب البحر لن يغصّ بشرب الساقية".




