تغيّرت النبطية. عبارة يكرّرها من عرف المدينة قبل أكثر من سنة، ويعود إليها اليوم. ليس التبدّل كاملاً، ولا الذاكرة انمحت، لكن الملامح لم تعد كما كانت. الصدمة التي كانت تسكن العيون خفّت، وإن لم تختفِ. الإيقاع اليومي صار أقلّ ارتباكاً، كأنّ ثقل الحرب تراجع خطوةً إلى الخلف، من دون أن يغادر المشهد تماماً.
المدينة التي شكّلت دائماً ممرّاً بين الجبل والساحل، ومحطّ رحال لعشرات القرى المحيطة، تحاول استعادة دورها القديم. سكان نحو 42 قرية يمرون من شوارعها في طريقهم إلى الساحل. حركة السيارات عادت، وجوه المارّة تبدو مألوفة، لكنّها محمّلة بشيءٍ غير مرئي: تعب طويل، وقلق مقيم.
ما بعد الردم
إزالة الردميات كانت العلامة الأكثر وضوحاً في تحوّل النبطية، كما لمسته "المدن" خلال جولتها. رئيس بلدية النبطية، عباس فخرالدين، يصف الواقع بلا مواربة: "استلمنا بلدية مدينة منكوبة حجراً وبشراً. الخسائر كبيرة". يشير إلى أن الردميات أزيلت بالتعاون مع مجلس الجنوب، موضحاً أن "نحو 85% من الردميات" رُفعت.
الشوارع التي حكمها الغبار والركام استعادت انتظاماً نسبياً. الأرصفة ظهرت من تحت طبقات الإسمنت المكسور. الواجهات التي لطّخها الدخان بدأت تستعيد ألوانها، وإن بقيت آثار الندوب واضحة لمن يدقّق. المحال فتحت أبوابها أولاً على حياء، ثم بثقة أكبر. أصحابها وقفوا عند العتبات، يراقبون الحركة كمن يختبر نبضاً عاد بعد انقطاع. البنى التحتية، بحسب فخرالدين، كانت في رأس الأولويات: "التمديدات المائية، الصرف الصحي، والتزفيت. رفعنا نحو 12 مشروعاً إلى مجلس الإنماء والإعمار ومجلس الجنوب".
ويتوقف عند ملف المياه، الأكثر إلحاحاً: "التمديدات عمرها يقارب 29 سنة. القساطل التي تآكلت بالصدأ، بدأت أعمال إصلاحها منذ شهرين ونصف الشهر. الاهتراء كان ضخماً، وبعض المواقع تضررت بفعل القذائف الارتجاجية، ما أدى إلى هدرٍ في المياه بنسبة نصف زائداً واحداً".
ورش لا تهدأ
رائحة الزفت تختلط برائحة الرطوبة القديمة. أصوات المطارق، وصفير الآليات، وحركة شاحنات صغيرة تنقل مواد البناء. مشهد يوحي بإعادة تركيب بطيئة لمدينة فُكّكت قسراً. أحد السكان يقف أمام منزله الذي يحتاج إلى بعض الترميم. يسأل عن موعد الانتهاء. يهزّ أحد العمّال كتفيه: "على حسب الطقس والشغل". نسأله، فيجيب "منذ بدء الحرب وأنا خارج المدينة خوفاً من أن يحدث شيء، لكن حان وقت العودة، ولو أنّ القلق ما زال موجودا".
رمضان… كرسالة
في الساحة، فانوسٌ كبير يرتفع كإشارة لقدوم رمضان. رمز مضاء في مدينة ما زالت تبحث عن أجوائها الرمضانية.
نساء يتبضّعن ويشترين استعداداً للشهر. تمر، حلويات رمضانية، خضار وفواكة. في محلّ لبيع القهوة، تسأل امرأة عن سعر البنّ. يأتيها الجواب، فتتنهد بامتعاض لا يخلو من مرارة "تركوا شي ما غلّوه؟". جملة قصيرة، لكنها تختصر مزاجاً عاماً يتأرجح بين الرغبة في الحياة وضغط الغلاء.
يؤكد فخر الدين أن "حوالي 95% من الأهالي عادوا"، فيما استقرّت قرابة ألف عائلة من أبناء الحافة الأمامية داخل المدينة. "قسم منهم فتح مصالحه. البلدية تساعدهم في أمور الدوائر الرسمية وتقديم خصومات. هم مرحّب بهم، وهم أهلنا".
عن رمضان، يقول فخرالدين: "الجمعة افتتاح سوق النبطية. سنضيء المدينة كلها. وهناك سوق مونة بيتية لربط الناس بالتراث وتعزيز الدورة الاقتصادية". ثم يضيف بوضوح: "هذه رسالة قوية للعدو الإسرائيلي، وهي أننا متجذّرون في هذه الأرض". في مدينةٍ خرجت لتوّها من تحت الركام، يصبح الضوء أكثر من زينة، والسوق أكثر من نشاط اقتصادي.
كفررمان: الفرح كخيار
في كفررمان، وللمرة الأولى، افتُتح "سوق رمضان" بزينة وإضاءات تتداخل مع صور الشهداء. أكشاك طعام، وروائح تُشبِع المكان من بعد الإفطار حتى السحور. أضواء ملوّنة، وأصوات أطفال يركضون بين البسطات.
رئيس البلدية، عبدالله فرحات، يقول لـِ "المدن": "يحقّ لكفررمان، لنا جميعًا، أن نعبّر عن كل لحظة فرح وسعادة، بالرغم من الجراح والدمار. هذا لبنان، هذا شعبنا، وهذه بيئتنا. نحن معتادون على الفرح". ثم يضيف، بنبرة تتجاوز إطار المناسبة: "دعونا نخرج من مناخ المؤامرات والحروب، ونؤكّد للعدو أننا موجودون على أرض فيها حياة وناس محترمون".
هنا، لا يبدو الفرح نتيجةً طبيعية، بل هو خيار واعٍ. كأنّ الزينة نفسها فعل مقاومة رمزية، ورسالة سياسية بقدر ما هي احتفال: الحياة تُرفَع في وجه الذاكرة الثقيلة، والحيّز العام يُستعاد من منطق الخوف.
يقول أحد أبناء المنطقة لـِ "المدن": "الإضاءة والزينة تشعرك بالحياة. تعوّدنا على الضربات، والاستهدافات معروفة ومحدّدة. هنا، في حيّنا، لا شيء يدعو للقلق"، ليضيف آخر "الإضاءة لن تزال، ستبقى و في فترة عاشوراء سنضيئها كلها باللون الأحمر".
القلق الذي لا يغادر
المدينة عادت، نعم. لكن العودة ليست مطلقة. القلق حاضر، يتسلّل إلى الأحاديث، إلى قرارات صغيرة مؤجَّلة، وإلى خططٍ مؤقتة. أحد تجّار النبطية يستعيد لحظة ما بعد وقف إطلاق النار: "الناس عادت بحماس واندفاع. بعد أسبوع عاد العمل إلى طبيعته. بدأنا أقوياء، ظانّين أن وقف إطلاق النار سيكون حتمياً".
يصمت قليلاً، ثم يضيف: "لكن بعد الخروقات، صار في خوف وقلق، وخفّت الحركة شوي". ويتابع "حتى المغتربون لا يأتون كثيراً. يقيمون في بيروت بسبب الوضع الأمني".
بين فانوس مُضاء وسوق تفتتح، بين ورشة تعمل وقلق لا يغادر تماماً، تختبر النبطية معادلتها اليومية؛ مدينة، بصبر ثقيل، تعيد كتابة نفسها حجراًً… وبشرا.




