ثمة تحديات كبيرة لا تزال تواجه السوريين، في بلد أنهكته سنوات الاستنزاف الطويلة. خصوصاً شريحة محدودي الدخل، وهم أكثر المتضررين من وطأة مآلات المشهد الاقتصادي والاجتماعي المؤلم وتداعياته المستمرة حتى اليوم.
وتبدو الأسعار المرتفعة في الأسواق، والتي تزداد ارتفاعاً مع بدايات الشهر الفضيل، كما لو أنها "القشّة التي قصمت ظهر البعير"، على الرغم من وفرة المواد الغذائية والسلع الأساسية، ما أنتج واقعاً صعباً وشكوى تتردد في كل أسواق سوريا.
فرصة تكافل
في أعراف السوريين شهر رمضان الكريم فرصة حقيقية للتكافل الاجتماعي والإنساني، بآلية تلامس جوهر وأساس الزكاة كأحد الأركان الأساسية للدين الإسلامي. كما أن الإحساس بالآخر وإغاثة الضعيف يمثلان جوهر فريضة الصيام. بالتالي يبدو السؤال مشروعاً عن حضور المبادرات الخيرية وتدخّل ميسوري المجتمع السوري إن كانوا أفراداّ أم جمعيات، ودورها في تلمّس احتياجات الفقراء، الذين قاربت نسبتهم 90% من قوام المجتمع السوري وفق إحصاءات رسمية محلية وأممية.
حالة تراثية لا طارئة
تؤكد تجارب السوريين مع شق العمل الخيري في حياتهم، أن هذا المصطلح يحظى بتطبيقات مكثفة وتجارب ناصعة عبر عقود مضت.
ويسجل التاريخ السوري الحديث مبادرات خيرية لافتة كبصمة راسخة حتى اليوم، ونتج عنها بناء صروح ضخمة من مشافٍ ومدارس و صروح دينية وطبية وخدمية وثقافية. فمشفى المواساة الدمشقي هو نتاج عمل خيري كامل ومتكامل، كذلك مشفى الكندي في حلب والذي كان يعتبر أول مشفى لعلاج السرطان في منطقة الشرق الأوسط في ستينيات القرن الماضي.
وربما لا يعلم كثيرون أن مؤسسة مياه دمشق وريفها والتي كانت تعرف سابقاً بالفيجة، هي أيضاً نتاج عمل خيري خالص منذ خمسينيات القرن الماضي، ساهم فيه شخصيات دمشقية راسخة في العمل الخيري والاجتماعي.
تجارب مناطقية
العمل الخيري مستمر حتى يومنا هذا ولكن ربما بوتيرة وحدود أقل فهو محصور بتجارب مناطقية رصدنا بعضها.
فمن منطقة المليحة شرقي دمشق "الغوطة الشرقية" يتحدث موفق عرفة رئيس مجلس إدارة جمعية الإحسان الخيرية مع "المدن"، لافتاً إلى أن الجمعية تتكفل بما يقارب 450 طفل يتيم عبر معاشات شهرية تقدر بحوالي 200 ألف ليرة سورية لكل طفل "حوالي 18" دولاراً، منوها أن المبلغ ربما ليس كافياً ولكن وكما يقال "بحصة بتسند جرة"، ناهيك عن توزيع مواد غذائية حسب المتبرعين.
عمل الجمعية ينحصر بالأطفال الأيتام في منطقة المليحة، ويؤكد أن الجمعية لم تتلق أي دعم من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أو من المنظمات الإنسانية والإغاثية.
القنوات في قلب دمشق
في منطقة القنوات بقلب العاصمة تنشط جمعية "شباب القنوات". ينقسم عمل الجمعية، وفق رئيس مجلس إدارتها، إلى جانبين خيري وطبي حيث ثمة صندوق طبي يجري عمليات جراحية بعد موافقة اللجنة الطبية الخاصة بالجمعية، في حين أن العمل الإغاثي يشمل شرائح الأرامل والأيتام والفقراء، من خلال رواتب شهرية وسلل غذائية من المواد التي يتبرع بها "أهل الخير" كما تقوم الجمعية بنشاط خاص خلال شهر رمضان الكريم عبر نشاطات مختلفة كإفطار صائم وأضاحي العيد وتوزيع ألبسة وأغطية. لكن عمل الجمعية محصور في منطقة القنوات سواء للأهل أو للقاطنين فيها.
الخير في وقته
تنشط بعض الجمعيات أكثر بشكل موسمي... ويؤكد محمد دباغ المسؤول الإعلامي في مؤسسة مبادرة أهل الشام، استعداد المؤسسة للموسم الرابع من مطبخ "الخير بخير" خلال الشهر الكريم حيث يتم تقديم وجبات إفطار تكفي اربعة أشخاص. لافتاً إلى أن السنوات الماضية من المبادرة شملت تقديم وجبات الإفطار لما يقارب 27 ألف أسرة، ومن المتوقع أن يصل العدد خلال هذا الشهر إلى 40 ألف أسرة مستفيدة.
وأضاف أن المؤسسة تعنى أيضا بمشروع خدمة المعلم من خلال مبادرة المعلم والتعليم شرف لنا والتي تشمل ترميم مدارس وتوزيع سلل غذائية للمعلمين، إضافة إلى مبادرة وصفة العطاء التي تعنى بتقديم وصفات طبية للمعلمين والأسر المستحقة.
الأطفال أولوية
أيضاً تنشط جمعيات أخرى في اتجاهات أكثر عمقاً وتأثيراً.. إذ يؤكد هيثم سلطجي رئيس مجلس الأمناء لمؤسسة حقوق الطفل، أن عمل المؤسسة يتمثل في تجنيب الأطفال كافة أنواع الاستغلال والعنف من خلال مجموعة برامج تعنى بالصحة والتعليم والصحة والبيئة والأسرة. هذه المشاريع تقدم خدمات للأطفال سواء فاقدي الرعاية أو من هم في حالة نزاع مع القانون وايضا من ينتمون لأبوين منفصلين.
واضاف أن المؤسسة تعنى أيضا بالأطفال الأيتام وشهداء الثورة عبر تقديم خدمات تعليمية وتربوية وصحية.
سلطجي أشار إلى أن نشاطات المؤسسة لا تقف عند هذا الحد إنما تتجاوز ما ذكر لتشمل طلاب العلم عبر تقديم تكاليف التعليم ودعم مادي يستمر حتى تخرج هؤلاء، بشرط عدم الرسوب أو التراجع الدراسي إضافة إلى تقديم منظومات طاقات بديلة للأسر المستفيدة ناهيك عن ترميم المنازل.
لكن وبخلاف ماسبق، يؤكد سلطجي أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل قدمت التسهيلات اللازمة عبر مركزين لإقامة الأطفال الذين تعنى فيهم الجمعية.
مشاركة مجتمعية
يرى الدكتور فادي عياش الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق في حديثه لـ"المدن" أن الخير وعمل الخير والسعي فيه قيمة متأصلة في المجتمع السوري عموماً، فهي تعبر عن تكافل المجتمع السوري وترابطه، وكذلك فهي تعبير عن الالتزام بعقائده الدينية.
وأضاف عياس: تنشط الأعمال الخيرة في مواسم الأعياد والمناسبات الدينية ولا سيما في شهر الخير والبركة شهر رمضان المبارك. كما نجدها في الأزمات والكوارث وتتجسد في أعمال ونشاطات إغاثية مؤثرة للتخفيف عن المنكوبين، كما ظهرت هذه الأعمال والنشاطات عبر فعاليات أهلية ولا سيما من الميسورين وقطاع الأعمال الخاص لإعادة ترميم وإعمار وتجهيز بعض المنشآت التعليمية والصحية والمرافق العامة الأساسية كتعبير عن المشاركة المجتمعية إلى جانب المؤسسات الرسمية. وفي جانب منها تأخذ الأعمال والنشاطات الخيرية سمة تنظيمية ذات استدامة من خلال الجمعيات الخيرية ذات المقاصد المختلفة.
لكن عياش يشير إلى أنه غالباً ما تكون الأعمال والنشاطات الخيرية عبارة عن مبادرات فردية وأحياناً تأتي كاستجابة مجتمعية كما في حالات الكوارث. ورغم أثرها الاجتماعي الكبير والهام، إلا أنها لا تزال فردية الطابع ومحصورة في نطاق التبرعات والأعمال الإغاثية بشكل عام.
ويأمل أستاذ الاقتصاد أن تتطور هذه القيمة النبيلة في المجتمع لتصبح أداة تنموية بالإضافة إلى كونها تكافلية وإغاثية.
تشاركية إيجابية
الأمر يتطلب، على حد تعبير عياش، التشاركية الإيجابية بين وزارة الأوقاف والشؤون الاجتماعية ومنظمات قطاع الأعمال، وذلك من خلال تطبيق مفهوم المسؤولية المجتمعية من جهة وتعزيز المشاركة المجتمعية من جهة، بغية تضافر وتكامل الجهود والمبادرات الخيرة لكل مكونات المجتمع السوري العريق لتحقيق أفضل للتكافل الاجتماعي وتعزيز مفهوم العدالة الاجتماعية. وكذلك العمل على تحقيق استقرار تنموي مستدام يعتمد على إيجاد فرص عمل محلية على مستوى الأفراد والأسر، تساهم في تحسين الدخل والتمكين المجتمعي للأسر الأكثر فقراً، وكذلك الارتقاء في مستوى تأمين بعض الخدمات الأساسية ولا سيما الصحية والتعليمية والنقل.
وأكد عياش أن هذا يحتاج بالإضافة إلى الجهود الرسمية والحكومية، إلى جهود أكبر على مستوى منظمات المجتمع الأهلي والمحلي وقطاع الأعمال لمأسسة هذه النشاطات والأعمال وتنظيمها من خلال الحوكمة والشفافية والتي من شأنها تعزيز ثقة المجتمع المحلي وتحفيز مبادراته ومساهماته الخيرية المادية بأشكالها والمعنوية.
غياب الإشراف الفعال
وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل المعنية بممارسة هذا الدور لم تتمكن حتى اللحظة من لعب دور القائد والمايسترو المنوط فيها، وحتى اللحظة لم تستطع أن تبني جسراً للتواصل بينها وبين الجمعيات التي تمتلك الإمكانات وقاعدة البيانات والكوادر.
المسألة ليست مستحيلة إنما هي بحاجة لأسلوب جديد في التعامل والخطاب، والفرصة سانحة ومتاحة في الشهر الكريم شهر الخير والبركة.
