فضلو خوري وعشر سنوات على رئاسته للجامعة الأميركية

المدنالخميس 2026/02/19
5.jpg
اعتمد خططاً استراتيجية طويلة المدى (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

في بلدٍ يختبر الناس فيه معنى الدولة كل يوم حين يتعطّل الاقتصاد، ويتصدّع الأمن، وتصبح الهجرة خطة حياة، لا يعود السؤال عن رئيس جامعة: ماذا أنجز من مشاريع جديدة؟ بل: هل حمى المؤسسة من الانهيار، وهل استطاع في الوقت نفسه أن يدفعها إلى الأمام؟ هنا بالتحديد تتلخص رئاسة فضلو خوري في الجامعة الأميركية في بيروت كالتالي: لم تكن رئاسته مجرّد "إدارة بقاء" في زمن الثورة والانهيار المالي ووباء كورونا وانفجار المرفأ وحرب السنوات الأخيرة، بل كانت أيضاً رئاسة أطلقت مشاريع جديدة ووسّعت أفق الجامعة بدل أن تنكمش كردّ فعل دفاعي. وأعاد فضلو خوري إلى الجامعة الاميركية هويتها الحقيقة التاريخية ومهمتها السامية المتخلصة بشعارها "لتكون لهم حياة وتكون حياة أفضل".

قبل توليه رئاسة الجامعة في 2015، بنى فضلو خوري سجلاً أكاديمياً وطبياً وإدارياً بارزاً في الولايات المتحدة، كاختصاصي أورام.  فعمل ضمن الهيئة التعليمية في The University of Texas MD Anderson Cancer Center (1995–2002)، ثم أصبح أستاذًا ورئيسًا لقسم أمراض الدم والأورام في Emory University School of Medicine وتولّى أدوارًا قيادية في البحث العلمي كنائب مدير Winship Cancer Institute، مع رصيدٍ كبير من المنشورات العلمية وتولّي رئاسة تحرير مجلة Cancer لسنوات عدة. أمّا في الجامعة الأميركية في بيروت، فقد تميّزت ولايته بقيادة الجامعة خلال أزمات كبرى، وإعادة إرساء التثبيت الأكاديمي (tenure)، وزيادة المساعدات المالية للطلاب، ونجاح حملة BOLDLY AUB التي جمعت أكثر من 805 ملايين دولار، وتطبيق سياسة حرم خالٍ من التبغ (2018)، واعتماد خطة VITAL 2030، وإطلاقAUB Online، وتأسيس American University of Beirut – Mediterraneo (2023) و Keserwan Medical Center كمستشفى مجتمعي  .(2024)

 

قيادة لا تُجامل الواقع

ما يميّز خوري هو أنه لم يحاول تجميل الحقيقة، بل أنه تعامل معها كما هي. في وقت كانت البلاد تغرق في إنكار الواقع، اختار أن يقول للناس داخل المؤسسة وخارجها إن الاستنزاف المالي والبشري ليس "عاصفة عابرة" يمكن تجاهلها. هذا النوع من الصراحة مكلف شعبياً، لكنه شرط ضروري لأي قرار فعّال. أظهرت رسالته في 2020 للأساتذة والقيميين في الجامعة وضوح هذا النهج من خلال الكلام المباشر عن تعثّر نموذج الإيرادات وخطورة ذلك على قدرة الجامعة على الاحتفاظ بالكوادر ولكنه أرفقها بأطر حل وخطط عملية تتيح للجامعة الصمود في وجه التحديات الكبرى. وهنا نقطة جوهرية: الرئاسة الجيدة ليست خطاباً مُلهِماً فقط؛ بل هي قدرة على اتخاذ قرارات صعبة في الوقت الصحيح وقبل فوات الأوان.

 

"أكثر من منع الانهيار": مشاريع للتوسّع!

ما يحسب لخوري أنه لم يتعامل مع الأزمة كقدرٍ يُلزم الجامعة بالانكماش. بل دفع نحو مشاريع تُعيد تعريف "أين تكون الجامعة الأميركية وكيف تعمل". قام بتوسيع برنامج التعليم الرقمي عبر AUB Online، وأطلق  AUB Mediterraneo في قبرص كامتدادٍ يقلّل المخاطر الجغرافية ويُبقي حضور الجامعة الأكاديمي إقليمياً، بالإضافة إلى The Academic and Executive Hub في الإمارات، هذا بالإضافة الى الاستحواذ على مركز كسروان الطبي. واعتمد خططاً استراتيجية طويلة المدى مثل VITAL 2030 التي وضعت خريطة طريق مستقبلية لنقل الجامعة إلى مستوى عالمي. أضف إلى ذلك أطلق كلية علوم الداتا والذكاء الاصطناعي لمواكبة التحديث العالمي الكبير خلال هذه الثورة الرقمية. كل هذه المبادرات تظهر بوضوح إنجازات ولايته حتى الآن وتضع الجامعة على سكة الحضور العالمي في التغيرات الأكاديمية الاستراتيجية.

 

معركة النخبة الأكاديمية: الاحتفاظ بالأساتذة

خلال الأزمات، لا تغادر النخب عادة لأسباب ثانوية؛ وإنما لفقدان شروط العيش والعمل والكرامة المهنية. وفي هذه الظروف لا تُقاس القدرات القيادية بالأمنيات بل بالأفعال، فهل يستطيع القائد أن يجعل البقاء خياراً ممكناً؟

تدرك ادارة الجامعة جيداً مدى أهمية أساتذتها ومكانتهم العلمية. فمعظم أساتذة الجامعة هم من الباحثين الرائدين في مجالاتهم، وتأثير أبحاثهم على المستوى العالمي من أهم الميزات التي وضعت تصنيف الجامعة في الصدارة، فيصدر أساتذتها حوالى 65%؜ من المراجع المتناولة في الأبحاث اللبنانية. وضعت الإدارة العليا شؤون الأساتذة في سلم أولوياتها منذ تاريخ إنشاء الجامعة واستثمرت بطاقاتهم في شتى الوسائل. فالجامعة الأميركية تقدم مخصصات لأساتذتها وموظفيها تضاهي المخصصات في الكثير من الجامعات الأميركية، ومنها بدائل سكن، أقساط مدارس للأولاد في أي من المدارس اللبنانية وأي من الجامعات اللبنانية والعالمية، تأمين طبي ذات مواصفات متقدمة، بدائل سفر من أجل استمرارية الأبحاث، تعويض تقاعدي قلما تضاهيه أي من المؤسسات المحلية وتقديمات أخرى ذات أهداف بحثية وتعليمية. أضف إلى ذلك ظروف العمل النموذجية من عدد ساعات التعليم المتوازنة والبنية التحتية المميزة التي تعطي الأستاذ الفرصة للانكباب على أبحاثه الخاصة.

فوثائق مجلس الجامعة بعد الأزمات المتتالية تُظهر أن الإدارة لم تكتفِ بالكلام المعسول والمشجع، بل أوجدت آلية للاحتفاظ بقدراتها البشرية ومخصصاتهم المذكورة. هذه ليست تفاصيل تقنية، بل كانت محاولة ناجحة لمنع الجامعة من التحول إلى هيكل بلا روح. ولا ننسى أيضاً الـ Heroes fund الذي وجد لدعم ومكافأة وتمكين أساتذة وموظفي وأطباء والجسم التمريضي. 

نعم، كثيرون غادروا. ولا يوجد أحد يستطيع ان "يمنع" الهجرة في بلد ينهار. لكن الفارق بين إدارة وأخرى هو بالقدرة على تنظيم هذا النزف وعدم تركه يلتهم المؤسسة. وهنا، لم يتصرّف خوري كمدير أزمة فقط، بل كمن يحمي قضية كبرى. فالجامعة الأميركية في بيروت ليست "وظائف" بل منظومة معرفة وخدمة عامة ورسالة ذات أبعاد روحية، معرفية، وطنية عابرة للزمن.

 

كثيرون ممن تركوا الجامعة خلال الأزمة أرادوا العودة بعد فترة قصيرة نسبياً. ليس هناك من إحصاء عام منشور يثبت أعداد الذين تركوا الجامعة، ثم أرادوا العودة. فاشترطت عودتهم عبر القنوات التوظيفية الطبيعية. وهذه ليست مجرد خطوة إدارية وحسب؛ بل هي منطق حوكمة راقٍ كي لا تتحول العودة إلى استثناءات شخصية وتقلل من قيمة قرار من بقوا وصمدوا. وكأكبر مثال على ذلك، المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث تم تطبيق مبدأ إعادة التوظيف وفق إجراءات ومعايير اختيار، لا كحق تلقائي قائم على خدمة سابقة أو لقب سابق.

جاء خوري بخلفية أميركية، وهذا يتيح مقارنة مفيدة مع المؤسسات التعليمية في الولايات المتحدة. عندما انتشر وباء كورونا، اعتمدت جامعات كبرى في الولايات المتحدة أدوات تقشف معيارية: تجميد توظيف، تجميد رواتب، خفض إنفاق. وهذا التوجه منطقي عادة في دولة ذات اقتصاد مستقر وعملة ثابتة.

لكن في لبنان، المشكلة لم تكن شدّ حزام الأمان فقط. لذا، فإن تطبيق أساليب هذه الجامعات في بيروت لا يكفي. هناك، التقشف قد يحمي الميزانية. أما هنا، قد يقتل المؤسسة إذا أدى إلى هجرة جماعية للكفاءات. ما فعله خوري هو محاولة جمع ما يبدو متناقضاً: ضبط الخسائر، وفي الوقت نفسه حافظ على الكوادر عبر المخصصات المالية كي لا ينهار عمود الجامعة الفقري.

 

في الحرب أيضاً: رئاسة لا تتوهّم

من يقرأ مقابلات فضلو خوري ورسائله خلال الحرب الأخيرة يدرك أنه قدّم نفسه كمسؤول يصف الواقع كما هو: ضغط نفسي، وتعطّل في نمط الحياة الأكاديمية وغيرها من المعوقات اللوجستية والإدارية. ولكنه استطاع في هذه المرحلة أن يعيد الثقة بدور المؤسسة وينظم الأطر الإدارية والتعليمية بحيث تجاوزت الجامعة المرحلة بأقل الأضرار الممكنة، مع الأخذ بالاعتبار دور المتضررين من الحرب والوقوف إلى جانبهم على كافة الأصعدة.

 

رأينا الصريح

لطالما أمعنا ملياً في شعار "لتكون لهم حياة وتكون حياة أفضل"، وأمعنا في معناه ومدى ارتباطه بما قدمته هذه الجامعة وما زالت تقدمه للبنان. فما من داع للغوص بما قدمته هذه الجامعة وما زالت من الزاوية الثقافية والعلمية، فالانتشار الواسع لخريجيها في لبنان والعالم، ووصولهم إلى مراكز القرار الكبرى في مجالات عدة منذ تأسيسها، هو خير دليل على مكانتها العلمية. ولكن ما يستوقفنا في هذا الشعار هو البعد القيمي والذي ينسجم تاريخياً مع واقع ملموس. استطاعت الجامعة بث وتثبيت قيم لطالما أعطت لمن ارتبط بها قيمة مضافة في مفاهيم الشفافية والديمقراطية وتقبل اختلاف الرأي وغيرها من الخواص، التي لم نعتاد عليها كلبنانيين لأسباب عدة منها سياسية واجتماعية وبنيوية. ومن هنا أتى فضلو خوري، هذا الشخص المناسب في المكان والتوقيت المناسبين، ليثبت هذا الشعار في أذهان ووجدان من ارتبط اسمه بهذه الجامعة.

 

(*) مجموعة من أساتذة الجامعة الأميركية في بيروت. 

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث