في مشهدٍ مقزز وتقشعر له الأبدان، بدا "الأب" وهو يعنّف طفلته مجرّد من أي حس إنساني أو أخلاقي. لم يرتدع هذا الحيوان الناطق بوجود ركّاب في سيارة الأجرة خاصته وراح يعنّف الطفلة مفرغاً سلطته الأبوية بأبشع صورها. ووثّق أحد الركّاب في سيارة الأجرة لحظة اعتداء هذا السائق القبيح على طفلته الصغيرة الجالسة إلى جانبه في المقعد الأمامي.
كان يجلس خلف المقود. بيدٍ ينفث دخان سيجارته، وبالأخرى ينهال بالصفعات على وجه وجسد طفلة، التي يبدو من صوتها أنّها لا تتجاوز الثالثة من العمر. وفي الوقت عينه يصرخ موجِّهاً كلامه إلى زوجته: "إذا ما بتعرفي تربي بربّيكي إنتِ ويّاها".
الأم بدت هي الأخرى خاضعة لسلطة الخوف أو واقعة تحت وطأة عنفٍ مستمر، إذ لم تتصدَّ للضرب ولم تدافع عن ابنتها. الفيديو انتشر سريعاً، وأثار موجة غضب واسعة ومطالبات بمحاسبة السائق وإنزال أشدّ العقوبات بحقه.
تعنيف الطفلة وزوجته
بحسب معلومات حصلت عليها "المدن"، فإن السائق (ع.ز)، في العقد الثالث من عمره، من سكان منطقة الليلكي في الضاحية الجنوبية لبيروت، ويعمل سائق أجرة. وتشير المصادر إلى أنّ سجله العدلي يتضمّن جنايات سابقة، بينها تهم إطلاق نار، وقد تم سجنه في وقتٍ سابق. إلا أنّ توقيفه على خلفية تعنيف طفلته لم يحصل حتى اللحظة، وفق المصادر نفسها، ما يعزّز شعوراً خطيراً لدى بعض الأفراد بأنهم خارج المساءلة وفوق سلطة القانون.
غير أنّ القضية لا تختصر بسجلٍّ عدلي أسود، بل تكشف عن عنفٍ فجٍّ يُمارس بلا رادع، وأمام أعين الناس. فالاعتداء لم يقع خلف جدران منزلٍ مغلق، بل في فضاءٍ عام، وخلف مقود سيارة تنقل مواطنين يومياً. من يعنّف طفلة بهذا الشكل، وأمام شهود، يُظهر استعداداً لاستخدام العنف كأداة ضبط وسيطرة واستخدام قوته المفرطة على طفل أعزل. وهذا ما يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن الاطمئنان إلى سلوك شخصٍ كهذا في قيادة مركبة تقلّ الركّاب، إذا كان يفقد السيطرة على غضبه تجاه طفلة عاجزة عن الدفاع عن نفسها؟
التربية على العنف
المشهد يعكس ثقافةً متجذّرة تبرّر ضرب الأطفال تحت عنوان "التأديب". إلا أنّ الأدبيات النفسية والاجتماعية تُجمع على أنّ الضرب لا يُصلح السلوك، بل يزرع الخوف ويؤسّس لصدمات طويلة الأمد. الطفل الذي يتعرّض للعنف الجسدي يتعلّم أنّ القوّة هي وسيلة حلّ النزاعات، وأن السيطرة تُمارَس عبر الإيذاء. هكذا يُعاد إنتاج العنف في حلقةٍ مفرغة، تنتقل من جيلٍ إلى آخر.
الأخطر أنّ العنف حين يُمارَس علناً ومن دون تردّد، كما ظهر في الفيديو، يشير إلى اعتياد المعتدي على هذا السلوك، لا إلى "لحظة غضب عابرة". فالعنف المتكرّر يخلق بيئة خوف دائمة، ويحوّل المنزل إلى مساحة تهديد بدل أن يكون مساحة أمان.
العنف ضد الأطفال والنساء
من جهتها، أوضحت مستشارة المناصرة والحماية القضائية في جمعية "حماية"، باسمة رماني بلوط، أنّ القانون رقم 422/2002 المتعلّق بالأحداث المخالفين للقانون أو المعرّضين للخطر، يجيز لقاضي الأحداث التدخّل لحماية الأطفال من العنف، ويُلزمه بإحالة المعتدي إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقه. وستتقدم الجمعية بشكوى عليه لينال عقابه.
كما أشارت إلى أنّ القانون رقم 239 المعدَّل، الخاص بحماية أفراد الأسرة من العنف الأسري، يحدّد العقوبات بحق كل من يرتكب عنفاً جسدياً أو نفسياً أو جنسياً أو اقتصادياً داخل الأسرة.
وبناءً على خبرتها الممتدة منذ عام 2006، أكدت أنّه في معظم الحالات التي يُسجَّل فيها عنف ضد الأطفال، سيما عندما يكون مصدره الأب، يترافق ذلك مع عنف موجّه ضد الأم. وغالباً ما يتدرّج هذا العنف من جسدي إلى نفسي واقتصادي، وقد يصل في بعض الحالات إلى أشكال أشدّ خطورة. كما يلجأ المعتدي إلى تهديد المرأة بحرمانها من أطفالها أو بطلاقها لإسكاتها ومنعها من طلب الحماية، خصوصاً عندما تكون في وضعٍ هش وتفتقر إلى شبكة دعم.
في الفيديو المتداول، لا يظهر العنف موجهاً إلى الطفلة فحسب، بل يتجلّى أيضاً في الخطاب الموجّه إلى الأم، بما يحمله من تهديد وانتقاص وإقرار صريح باستخدام العنف كأداة "تربية". هذا الترابط بين عنفٍ موجّه إلى طفلة وعنفٍ رمزي ونفسي موجّه إلى الأم، يعكس بنيةً سلطوية داخل الأسرة، يكون فيها الأضعف الحلقة الأكثر عرضة للإيذاء.
مسؤولية الدولة والمجتمع
القضية ليست مجرد "فيديو صادم"، بل اختبارٌ لجدّية تطبيق القوانين. فالعنف ضد الأطفال جريمة، لا رأي تربوياً. والسكوت عنه، أو التعامل معه كحادثة عابرة، يرسّخ ثقافة الإفلات من العقاب.
إنّ طفلةً في الثالثة من عمرها لا تملك قدرة الدفاع عن نفسها أو التعبير عمّا تتعرّض له، ما يفرض على القضاء والأجهزة الأمنية مسؤولية حماية مضاعفة. فالقضاء، عند النظر في مثل هذه القضايا، يأخذ في الاعتبار هشاشة الضحية وعجزها الكامل عن المواجهة، وهو ما يستوجب تدخّلاً عاجلاً لا يكتفي بردّ فعلٍ إعلامي أو شعبي.
بين عنف الأب وجريمة الصمت، تقف الطفلة في مواجهة منظومةٍ تبرّر وتؤجّل وتحتمي بالأعراف. ويبقى السؤال الأعمق: هل سيُعامَل هذا المشهد كحادثة فردية تُستهلك أياماً على مواقع التواصل، أم كنقطة تحوّل تؤكد أنّ العنف ضد الأطفال خط أحمر لا يُساوَم عليه؟
فالرهان الحقيقي ليس على الغضب العابر، بل على تحويله إلى مساءلةٍ فعلية، تحمي الأضعف وتكسر الحلقة التي تجعل من العنف لغةً يومية داخل البيوت… وأمام أعين الجميع.




