أعرف أنّ ظروف بلادي قاسية.
وأعرف أنّ مدينتي تعيش في ظلّ قلقٍ دائم، كأنّها لا تنام إلا نصف نوم.
وأعرف أنّ كثيرين ممّن أحبّهم يتعبون كلّ يوم أكثر ممّا يحتمل القلب والجسد، ويحملون همّ الغد قبل أن ينتهي اليوم.
وأعرف أنّ ساسة المدينة قد استُهلِكوا حرفيًا، وأنّ الحكومات المتعاقبة منذ ما بعد الطائف أشاحت بوجهها عنها.
وأعرف أنّ نسبة الفقر عندنا تتجاوز الخمسين في المئة.
وأعرف أنّ المقبل من الأيام لن يحمل الخير لأهلي في طرابلس ما لم تتكاتف الطاقات، وتتشابك الأيدي لدعم الناس، وتنهض الدولة بمؤسساتها لحماية مواطنيها. أعرف كلّ ذلك وأكثر.
لكنّك في طرابلس لا تسير في الشارع إلا وترافقك أصوات الباعة، ووجوه تعرفك، حتى لو لم تذكر اسمك، ورائحة خبزٍ يخرج ساخنًا من فرنٍ قديم، وملح البحر الذي يتسلّل إلى الهواء، حتى لو لم تره.
هي مدينة متعبة، نعم، لكنها قادرة دائمًا على أن تمنحك سببًا صغيرًا لتعود إليها كلّ صباح.
تمشي ومعك ظلال الوجوه التي عرفتها، والأصوات التي نشأت بينها، ورائحة الكعك والمناقيش والفول في الصباح، ورائحة البحر الذي لا يُرى من كل مكان لكن يُشمّ.
هي مدينة متعبة، نعم، لكنها لا تزال تمنحك جرعة دفءٍ مفاجئة.
أقود سيارتي وسط فوضى الدراجات النارية والمخالفات في كلّ الشوارع والتقاطعات. أغضب، ثم يفاجئني شابّ يلوّح بيده مبتسمًا، أو شيخٌ يرفع رأسه عن عربة خضار ليقول: "الله يقوّيك يا أبو عمر".
أو بائع سمسمية يردّد: "الطيب للطيب".
لحظات صغيرة تكفي لتذكّرك أنّ المدينة ليست إسفلتًا… بل ناس.
أمشي في زقاقات الأسواق القديمة حيث تتعانق الأزمنة.
الحجارة تحفظ خطى أجيالٍ مرّت، والواجهات المتعبة حدّ التهالك تخبّئ حكاياتٍ لا تنتهي.
أصل إلى المسجد الذي أرتاده منذ أكثر من ثلاثين عامًا: سيدي عبد الواحد المكناسي.
هناك، يخفُت الضجيج، وتحلّ السكينة مع صوت الإمام، صاحب الوجه الرضي، سلمان بارودي.
في ذلك الفناء المشبع بعبق التاريخ وتعب سكانه، يتخفّف القلب من ثقل اليوم، كأنّ المكان يقول لك: تمهّل… كلّ شيء عابر.
وحين أرغب في المشي في معرض رشيد كرامي الدولي، بإسمنته المتعب وفضائه المفتوح على السماء، أتذكّر أنّ هذه المدينة لم تكن يومًا هامشًا.
كانت حلمًا معماريًا، وفكرة عن المستقبل، وتجربة في الجرأة.
ربما تتعب الأبنية، لكن الأفكار لا تموت بسهولة.
في المساء، أجلس مع أصدقاء العمر.
الحديث يتشعّب: عن أولادٍ غادروا، وبيوتٍ صمتت غرفها، وصورٍ تُرسَل عبر الشاشات بدل أن تجالس اولادك، وتمرّر يديك على وجوه أحفادك وتشعر بحرارتها.
نضحك كثيرًا، أكثر ممّا يليق بالحنين، كأنّ الضحك محاولة لترويض الغياب.
كلّ واحدٍ منّا يحمل في جيبه تذكرة سفر مؤجّلة، أو احتمالًا مفتوحًا للرحيل.
لكننا، في تلك الجلسات، نقنع أنفسنا أنّ البقاء شكلٌ من المقاومة الهادئة… مقاومة النسيان، ومقاومة الغربة…آه من قسوة الغربة.
طرابلس خسرت الكثير، كما كل لبنان.
خسرت أبناءها الذين توزّعوا على القارات، وضجيج البيوت الممتلئة، وشيئًا من ثقتها بنفسها.
لكنها لم تخسر روحها بالكامل.
لا تزال تمنحك سببًا صغيرًا لتعود في الصباح التالي، وتذكّرك أنّ الانتماء ليس قرارًا عقلانيًا، بل علاقة معقّدة بين القلب والمكان.
تلك اللحظات لا تغيّر واقعًا، لكنها تبدّل شعورًا.
والمدن، في النهاية، تُقاس بما تزرعه في القلب، لا بما تملكه من بنيان.
لمن مثلي فرصة مغادرة.
الأبواب ليست موصدة.
العالم واسع، والخيارات كثيرة.
لكن ماذا أفعل بالذكريات إن حملتها معي؟
وماذا أفعل بوجوه الناس إن صارت صورًا بعيدة؟
وماذا أفعل ببحرٍ تعلّمت قراءة مزاجه، وبأزقّة تعرف وقع خطاي؟
أعرف أنّ ولديّ قد لا يفهمان بسهولة لماذا أختار البقاء.
جيلهم يرى العالم خريطة مفتوحة، لا مدينة واحدة.
وأفهم خوفهما علينا، ورغبتهما في حياة أقلّ تعبًا.
لكن مغادرة مدينتي، بالنسبة لزوجتي ولي، ليست انتقالًا جغرافيًا فقط.
هي اقتلاع جذورٍ تشابكت في التراب حتى صارت جزءًا من تكويننا.
هي تنازل عن جزءٍ من نفسي لا أعرف كيف أستعيده في مكان آخر.
لست أقول إنّ البقاء بطولة.
هو خيار شخصي، وربما عناد عاطفي.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
حين أستيقظ في طرابلس، وأسمع ضجيجها المبكّر، وأشرب قهوتي على إيقاعها المتعثّر، أشعر أنّني ما زلت في مكاني الصحيح، ولو كان المكان هشًّا.
في هذه المدينة سأبقى.
أقتسم الحلوة والمرّة مع أهلها، وأتعلّم كلّ يوم كيف يمكن للإنسان أن يحبّ مكانًا رغم كلّ شيء.
ربما تخفّ المرارات يومًا، وربما تزيد الحلاوات.
لكنّ الحبّ، حين يتجذّر في مدينة، لا يعرف الهجرة.
ربما ليس البقاء بطولة،
وربما ليس الرحيل خيانة.
لكنّه، بالنسبة إليّ، شكلٌ من أشكال الحبّ.
لذا… لن أُغادر.




