على أنغام "البلبل ناغى ع غصن الفل.. آه يا شقيق النّعمان"، تستعيد عائلة "أبو أحمد" واحدة من ألطف وأجمل العادات الشّاميّة القديمة التي تسبق الشّهر الفضيل وتُعرف باسم "تكريزة رمضان"، وذلك من خلال جلسة واحدة يسودها الفرح تجمع الأجداد، والأبناء، والأحفاد والأصدقاء والجيران في منطقة "عين الفيجة".
"وامتازت هذه النزهة بالأهازيج، ولعب الشّدة وطاولة الزهر في أحضان الطبيعة وأمام ضفاف المياه، لعيش لحظات وجدانيّة وألفة اجتماعية تهدف إلى تعزيز الروابط و"صلة الرحم"، وتصفية القلوب قبل دخول شهر الخير، ليدخل الجميع رمضان وهم في حالة من التصالح والمحبّة"، بحسب ما روى التاجر "أبو أحمد" لـ "المدن".
الوداع الأخير لـموائد "الزفر"
دندن التاجر صاحب الـ55 عاماً، مقطعاً من الأغنية نفسها للفنان صباح فخري: "قصدي ألاقي محبوبي بين الياسمين والريحان"، وقال: "نلتقي بالأحبّة في هذا اليوم من كل عام، والذي يتميّز بـ "أكلات الزفر"، ومنها اليبرق والكبّة والمشاوي والمقالي، لأن مطابخنا تعتمد في غالبيّتها على الشوربات والوجبات البسيطة طوال فترة الصيام".
وأضاف: "تكريزة رمضان هي فرصة أخيرة لنأكل كلّ ما لذّ وطاب من (عرائس) المقالي مع الخضرة ودبس الرّمان، وقطع الشيش طاووق المشويّة والمقرمشة، ثم يأتيك طبق الحلويّات وخاصّة (النمّورة)، مع كأس الشاي على الفحم".
من غوطة دمشق إلى قلعة حلب
تخرج العديد من العائلات السورية في نزهة أو ما يسمّى بـ"السيران" لصون هذا الموروث الشعبي الذي يأتي في الأيام الأخيرة من شهر شعبان، حيث يقصدون البساتين أو المتنزهات العامّة أو ضفاف نهر بردى، ثم يعودون لتجهيز المونة الرمضانيّة وتنظيف المنزل وتعليق الزينة.
ومن دمشق إلى حلب، يخيّم الورد على "معتز وزوجته" في "جنينة" على أنغام القدود الحلبية والموشّحات، حيث يجسّدان "التكريزة" في منتزه عام مع الأصدقاء، وهما يتبادلان الأحاديث والميجانا والعتابا، ممّا يضفي صبغة تراثيّة خاصّة على هذه الوداعيّة.
ويتقاسم الأصدقاء هناك شرائح الخبز المحشوّة بـ "كباب الكرز"، ومن ثم يتبادلون طبق "الزلابية" الحلبيّة، ويقول الحدّاد "معتز" (28 عاماً): "تكريزة رمضان تعني لنا الكثير، لأنّها تجمعنا مع من نحب، (سقى الله) تلك الأيام عندما كانوا يستأجرون الحافلات الكبيرة لنقل العشرات إلى قلعة حلب".
تكريزة.. النواعير والقلعة والكورنيش
وفي حماة، كانوا "ستّة على النبعة"، ليأتي حفيد العائلة من السفر ويصبحوا "سبعة"، حيث يجتمعون مع التقني "أسعد" (33 عاماً) بعد غياب دام 14 عاماً، للاستمتاع بخريز الماء، والتنزّه سيراً في المناطق الخضراء المحيطة بالنواعير.
وتبادل "أسعد" صحن "حلاوة الجبن" مع عائلته، وهو يمازحهم بالأحاجي، قائلاً : "كانت الغصّة تملأ القلوب بسبب غيابي، أما الآن فنحن نعيد خلق الذكريات الجميلة".
لم تكن هذه العائلة الوحيدة التي تشتّتت بسبب الهجرة والنزوح خلال السنوات الماضية، حيث جسّدت المعلّمة "وداد" الحمصيّة مع زوجها التكريزة في (البلكون) داخل المنزل بدلاً من الخروج بسبب غياب أبنائها.
وعلى عكس هذه العائلات، حظيت أخرى بتكريزة في "قلعة الحصن"، واتّسمت جلستهم بالخفة والمرح، وروح "النكتة"، مع لقمة مغموسة بالمحبة، ومحلّاة بـ "الهريسة".
بينما تباهى العامل "طارق" (34 عاماً) بـ "التكريزة السّاحلية"، حيث يمتزج بين هدوء البحر وجمال الجبل، وتتوزّع التجمّعات في الكورنيش البحري مع أكل السمك وصحن "الكنافة".
أوقيّة بزر وإبريق شاي
رغم كل ماسبق، لا يمكن غض النظر عن الأزمات المتتالية التي تركت أثراً عميقاً على "نمط الحياة" والطقوس الاجتماعية في سوريا، فبسبب ضيق الظروف المعيشية، تحوّلت "التكريزة" عند البعض من طقس احتفالي واسع إلى طقس رمزي ضيّق، لكنّها لم تختفِ، إذ يحاول السوريون بـ "أقل الممكن" الحفاظ على التقليد، ولو بجلسة بسيطة على الحصيرة مع "أوقيّة بزر وإبريق شاي".
وتتحدّث ربّة المنزل "ازدهار" (45 عاماً) عن "التكريزة" التي كانت ترتبط بموائد عامرة، قائلة: "في الماضي كانت تعبيراً عن الفرح والاستعداد النفسي المريح لرمضان، أما اليوم، فأصبحت نوعاً من تفريغ ضغوط الحياة، والتفكير في تأمين المؤونة وتدبير النفقات".
تكريزة السطح ورفاهية المطاعم
اكتفى البعض بـ "تكريزة السطح" بسبب شح الميزانية، حيث اقتصرت مائدتهم على "نواشف البيت"، وعلى رأسها "عروسة" لبنة مع الزعتر، مع إبريق الزهورات، وهم سعيدون بجمعتهم على ضوء "الليد"، بينما افترش آخرون الأرض بجانب سيارتهم على مقربة من جبل قاسيون مع "المتّة" والترمس والفول.
وفي المقابل فضّلت الفئة المقتدرة مادياً دفع مبلغ مقطوع مقابل أن تدلّل نفسها في التكريزة التي تعتمد على البوفيه المفتوح في المطاعم لتجنّب عناء "التحضير المنزلي" والنزهات الشعبيّة، واتّباع المقولة المتوارثة "على قد بساطك مد رجليك".
وتبقى "التكريزة" بمختلف أشكالها وتجلّياتها، لحظة الوداع اللطيفة لروتين الحياة اليومية، وجسر المحبة الممتد الذي يلم شمل العائلة قبل الانغماس في روحانيات الصيام وخصوصيته.
وكما رسّخت في وجداننا لوحات الفنان ياسر العظمة في مسلسل "مرايا"، وهو يجسّد طقوس "السيران" مع أصدقائه بكل تفاصيلها الضاحكة، يبقى السؤال السوري الشهير الذي يختزل متعة المشاركة في تكريزة رمضان: "شلون بتحبّوا السلطة.. ناعمة ولّا خشنة؟".




