أهل مباني طرابلس المتكسرة ورعب التشرد: "فلتقع البناية علينا"

نغم ربيعالخميس 2026/02/19
Image-1771402361
بعد سنوات من المعاناة والفقر تحتاج طرابلس إلى خطة اجتماعية واقتصادية شاملة (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

"بفضِّل توقع عليّي البناية ولا إطلع من بيتي... وبإذن الله ما بتوقع". لا يقولها أحمد كمبالغة عابرة، بل كقناعة مُرّة. صوته مبحوح بحرقة لا تحتاج إلى شرح. يمدّ يده نحو عامود الأساس، يضرب عليه كما لو أنّه يختبر صلابة ما تبقّى من طمأنينة، ثم يضيف بجملة تختصر حكاية حيّ كامل "إذا فليت، وين بدي فلّ؟ اللي بده يهجّرني إذا ما بيعطيني المستوى اللي أنا عايش فيه ما بروح… أنا بيتي حمّامين".

في باب التبانة، لا تبدو هكذا عبارة تحدّياً للقدر بقدر ما هي دفاع أخير عن معنى البيت. هنا، لا يُقاس الخوف فقط باحتمال سقوط الحجر، بل باحتمال الاقتلاع. بين شق في الجدار ومجهول في الخارج، يختار أحمد وجيرانه ما يعرفونه. وفي مدينة اعتادت أن تساوم أبناءها على أبسط حقوقهم، يصبح التمسّك بالسقف، ولو كان مهدّدا، شكلا من أشكال النجاة.

 

"لو بدها توقع كانت وقعت"

معظم الذين التقتهم "المدن" خلال جولتها في طرابلس، ولا سيما في القبة وضهر المغر وباب التبانة، يرفضون إخلاء أبنيتهم. لا لأنّ الخطر غير مرئي، بل لأنّ البديل أشدّ قسوة. الخروج، بالنسبة إليهم، ليس انتقالاً بل تسلخهم من حياة بالكاد تستقيم. يتمسّكون ببيوت متعبة، ويثقون بسقف يتشقق، كأنّ الثقة أو وهم آخر ما تبقّى لهم.

يختصر رجل الموقف بجملة فيها شيء من السخرية ومن الإنكار الدفاعي: "البناية متل ما هي بعدها، كل ما قالوا بدها تهبط يعني رح تهبط؟". ويقاطعه آخر بنبرة حاسمة، كمن يسرد تاريخاً شخصياً مع الجدران: "هيدي البناية جاي عليها صاروخ، ومئة زلزال من 1985 لليوم. لو بدها توقع، كانت وقعت".

بين الخوف والاعتياد، يتشكّل منطق البقاء. ليس تجاهلاً للخطر بقدر ما هو حساب قاس بين خسارتين: سقف مهدّد، أو شارع بلا بديل. هنا، يصبح التشبّث بالمكان أقل مخاطرة من اقتلاع لا يعرف أحد كيف ينجو منه.

 

أم محمد، تخبر "المدن" أنها أمضت نصف قرن في بيتها في باب التبانة، وتقول بهدوء مثقل: في المبنى فسوخ، نعم، لكنّ الأساس قوي. ثم تسأل بسؤال لا ينتظر جوابا: "وين بدي روح؟".

تمشي في أزقة الأحياء، فلا تعاملك العيون كعابر. نظرات تتعلّق بك، نصفها رجاء مكبوت، ونصفها شكّ حذر. يتقدّم الناس بلا مقدمات: "أوصلوا صوتنا… أنتم صوتنا". تتزاحم الأصوات حولك. امرأة تشدّك إلى شرفة متآكلة، طالبة أن ترى بعينيك ما تعيشه كلّ يوم. رجل يقاطعها بجملة تختصر شتاءات كاملة: "والله سابحين بالمياه". نداءات صغيرة، متكررة، تصعد من الحناجر وتبحث عن إغاثة.

في إحدى بيوت ضهر المغر، تهمس إحدى الأمهات: "والله سمعنا صوت طقطقة… الأولاد ارتعبوا". وفي زاوية بيت آخر متعب، كان طفل يراقب حديث أمّه عن سقف يخذل ساكنيه. ظلّ صامتاً طويلاً، ثم قال بجديّة لا تشبه عمره "لما أكبر، بدي أدرس مهندس خريطة… كرمال رمّم البيت".

 

الإخلاء والإفلاس

في طرابلس، لا تُبنى الأحلام كترف مستقبلي، بل تُصاغ كخطط إنقاذ شخصية. كأنّ الطفولة نفسها أُجبرت على التفكير بالترميم قبل اللعب.

في ساحة القبة، عند الطابق السفلي لبنايةٍ مُقرّر هدمها، وقف أبو إبراهيم "محصناً" بعبوات بنزين. سيجارةٌ مشتعلة بين أصابعه، وتهديد صامت يسبق الكلمات. لم يكن المشهد استعراضاً، بل صرخة رجل يرى في الإخلاء حكماً بالإفلاس قبل أن يكون إجراء وقائياً.

يرفض ترك محله التجاري الذي يعتاش منه، لا عناداً، بل لأن أحداً لم يؤمّن له بديلاً. يقول لـِ "المدن" بعبارة مكثّفة تختصر عمراً كاملاً: "عشت هون وبدي موت هون". ثم يشرح، بنبرة يختلط فيها الغضب بالإنهاك: "بدهم فضّي محلي وروح على الشارع… شو بدي سكّر؟ نص بضاعتي دين للتجّار، وين بدي روح؟".

وبالصدفة، في أحد أزقّة القبة، توقفنا أمام شاحنة تحمّل أثاث بيت متعب. سؤال عابر يكشف حكايةً كاملة. يجيب أحدهم بلا تردّد: "أخي بده يروح عالمنية… البناية ما بتسوى".

لا نكتفي بسبب الرحيل، نسأل عن الوجهة التالية، عن السقف البديل. يبتسم ابتسامةً ساخرة ويقول: "عند أهلي بالبيت". كأنّ الإيواء تحصيل حاصل، وكأنّ الضيق لا يُرى.

جاره في المبنى نفسه يقاطعه ضاحكاً بمرارة خفيفة: "إيه، يرجع يرجع… ما حدا بيتحمّل حدا". ثم يلتفت إلى "المدن"، ويضيف بصوت متماسك رغم العبوس الخفي في عينيه: "ما رح إطلع من بيتي واتبهدل".

 

ليست البساطة المصورة

داخل هذه البيوت التي لا يقل عدد قاطينها عن 5 أشخاص، لا تدخل إلى غرف فحسب، بل إلى رائحة ثقيلة من الرطوبة. نشّ دائم يتسلّل من الجدران، وعفن صامت يقضم الطلاء والأثاث، ويقضم معه شيئا خفياً من كرامة العيش.

البرودة هنا مقيمة، حتى في يوم مشمس. ليست برودة طقس، بل برودة حجر رطب لا يجفّ. تلمس الحائط فتشعر بخشونة باردة، فيما تتفرّع التشققات فوق الرأس كأنّ السقف يتهيّأ لاعتراف مؤجّل. الضوء خافت، لا يبدّد العتمة بقدر ما يفاوضها. الأشياء لا تلمع، بل تظهر على استحياء: خزانة متعبة، كنبة فقدت شكلها الأساسي، براد قديم جداً، ومجلى تتسرب منه المياه. لا نظام واضحاً، بل ترتيب قسريّ فرضه الضيق. بيوت مبتعثرة، مكركبة، تشبه ارتباك حياة قاطنيها.

الحياة بسيطة، نعم، لكنها ليست تلك البساطة التي تُلتقط في الصور وتُزيّن بالكلمات. ليست بساطة الاكتفاء والسكينة، بل بساطة الضرورة؛ حين يقلّ كلّ شيء إلى حدّه الأدنى، ويصير العيش نفسه تمريناً يومياً على التحمّل.

 

مبادرة محلية.. والتجار؟

حتى الآن، أُخلي نحو 21 مبنىً فقط من أصل 114 مبنىً كانت الحكومة قد أشارت إليها بوصفها مهدَّدة وتحتاج إلى تدخّل عاجل. وعلى المستوى المحلي، بادر أهالي طرابلس إلى إطلاق صندوق طارئ لدعم الأبنية، في محاولة لسدّ فجوة الوقت والإمكانات. يتكون الصندوق من ثلاث لجان: لجنة حوكمة لضبط الشفافية، لجنة تمويل لتأمين التبرعات، ولجنة كشف وتصميم وتنفيذ للإشراف الميداني وإجراء المسوحات الفنية.

رئيس بلدية طرابلس، الدكتور عبد الحميد كريمة، يوضح لـ"المدن" أن "الهيئة العليا للإغاثة مكلفة بتدعيم الأبنية، ونحن أنشأنا صندوقاً طارئاً خاصاً لدعم المباني. كل ما ندعمه يعني حمايةً أكبر لحياة المواطنين. فالمبنى، إذا تم تدعيمه، يعود السكان إليه وكأنّ شيئاً لم يحدث".

ويلفت إلى هشاشة وضع أصحاب المصالح "المحلات التجارية هي الحلقة الأضعف. نحاول العمل على صندوق خاص لدعمهم". أما في ما يخصّ الإيواء، فيشير كريمة إلى التنسيق مع لجنة إدارة الكوارث في محافظة لبنان الشمالي: "أصبح لدينا مركزان قيد الكشف والتجهيز، ونعمل لرفع العدد إلى ثلاثة مراكز إيواء، بما يسمح باستيعاب العائلات التي تضطر إلى المغادرة مؤقتًا".

 

الدولة تحاول

طرابلس، المدينة التي عانت لعقود من الإهمال والفقر، شهدت تراكم أزمات اجتماعية واقتصادية وهشاشة عمرانية جعلت الحياة اليومية لسكانها أكثر صعوبة. في هذا الواقع، يصبح أي كلام عن مشاريع أو دعم للعائلات جزءاً من محاولة أكبر لإعادة المدينة إلى مسار الاستقرار، ولو تدريجياً. وزيرة الشؤون الاجتماعية، حنين السيد تقول لـ"المدن" إن طرابلس، بعد سنوات من المعاناة والفقر، بحاجة إلى خطة اجتماعية واقتصادية شاملة وبعيدة المدى. بدأت الدولة بمشاريع مثل مطار القليعات لتوفير فرص عمل، وتوسيع مرفأ طرابلس وتعزيز المنطقة الاقتصادية، إضافة إلى الاستفادة من مشروع رشيد كرامي لدعم الحرفيين، والتركيز على المناطق القديمة وخان العسكر لخلق فرص عمل.

أما الدعم المباشر للعائلات، فتوضح أن جميع من يخرج من بيوتهم سينضمون إلى برنامج "أمان"، ويستفيدون من مبالغ نقدية تتراوح بين 105 و145 دولاراً، حسب عدد أفراد العائلة. بعد تقييم جديد للبيانات، سيُفتح باب التقديمات مرة أخرى، مع توفير شقق للإيواء لمدة سنة تتحمل فيها الوزارة كلفة الإيجار، وتتابع العائلات وتوفر البدائل اللازمة.

وبالنسبة لإعادة إعمار البنايات، تقول السيد إن الأبنية التي يمكن دعمها ستُعالج، أما المباني التي ستتهدم فالمشروع أكبر كلفة ويستلزم شراكة مع القطاع الخاص والمناحين، لتأمين سكن لائق على المدى الطويل.

 

"قنبلة موقوتة"

في طرابلس، لا يحتاج الموت إلى مشهد درامي ليعلن حضوره. يكفي شقٌّ صغير في جدار، تسرّب ماء في ليلة شتوية، أو سنوات طويلة من الإهمال المتراكم، لتشعر بأن الحياة نفسها معلّقة على حافة الخطر.

الباحث اللبناني في شؤون التنمية، أديب نعمة، ابن طرابلس وتحديداً القبة، والذي عاش في الحي لفترة طويلة، يقول لـ"المدن": "من حوالى شهر طلعت على القبة والحقيقة أنا ارتعبت… لا توجد معالم مدينة مهيكلة، مجرد ما يمرّ الواحد يحس أن هذا المكان سينفجر بأي لحظة".

أما لغة الهندسة، فهي أكثر تشاؤماً. المهندس الدكتور وسيم ناغي يحذّر من الحلول الجزئية، مؤكّداً أن التدعيم الخاطئ قد يتحوّل من محاولة إنقاذ إلى عامل يسرّع الانهيار. "طريقة معالجة الموضوع عم ينشغل عليه بالقطعة والمفرق، هذا الموضوع يجب أن يُعالَج على مستوى عمراني كامل. المدينة بحاجة لإعادة تقييم كل المباني ومشروع تخطيط جديد". ويتابع: "التدعيم إذا صار بطريقة خاطئة وغير علمية قد يكون سبباً في تسريع انهيار المبنى. الملف كبير ومعقّد، ونحن على ما يشبه قنبلة موقوتة".

ومع ذلك، كأنّ شيئًا لا يملك ترف التوقّف. تستمرّ الحياة في طرابلس، بعناد يوميّ يشبه التنفّس. باب يُفتح على درج متعب، غسلةٌ تُعلَّق بين شقّين، طفل يركض ضاحكاً تحت سقف متصدّع. تفاصيل صغيرة، لكنها كافية لتقول إنّ المدينة، رغم كل ما فيها، ما زالت تُقاوم بطريقتها الخاصة. ويعود الصدى نفسه، جملة تحفظها الأزقّة كما تحفظ أسماء سكّانها، كأنّها عهدٌ خفيّ بين الناس والقدر: لو بدها توقع… كانت وقعت.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث