ترتجف يدا "لانا"، وتتسارع ضربات قلبها في كلّ مرّة تتمشّى فيها بجانب "درج العشّاق" في "حيّ سفل التلّة في باب توما"، الذي يستنهض من ذاكرتها صورة الرّجل الذي عشقته تحت "الشّجرة المجنونة" صاحبة الزهور الورديّة، لتجد نفسها تدندن أغنية الفنان محمد عبده: "الأماكن كلّها مشتاقة لك".
درج شاهد على الحب
لم يكن ذلك "الدّرج" مجرّد حجر في حياة "لانا وأمير"، بل هو شاهد صامت على قصّة حبّهما التي بدأت بصداقة دامت سنوات، وتوّجت بشراكة زوجيّة ناجحة ومستمرّة حتى الآن، يستذكران فيها تفاصيل لا تُنسى، ويقولان لـ "المدن": "الحب الروحي لا يموت".
ربما لم يكونا الوحيدين اللذين احتضنهما هذا المكان، لكنّهما كانا الثنائي الذي تجلّت فيه حالة "توأم الشّعلة"؛ حيث يسمو حبّهما الرّوحي إلى أرفع درجاته رغم مرور الأيّام، بحسب تعبيرهما.
ولكن، ربما نتساءل.. هل كل ما نعيشه من تفاصيل في تلك الأماكن تعبّر عن حب حقيقي؟ أم أنّه، كما يرى علم النفس في بعض الحالات، أننّا "نحب الأشخاص الذين يقدّمون لنا ما ينقصنا من حاجات"، وقد تنتهي تلك الحكايات بعبارة: "ليس هذا ما كنت أحلم به".
وهذا ما حدث مع "سامر" الذي كان يجلس مع حبيبته على حافّة السّور في "جنينة العشّاق" في شارع حلب، حيث كانت تلك اللحظات تمثّل عالمهما الخاص لخمس سنوات مرّت، وهما يتبادلان كلمات الحب، ويحلمان بمستقبل مشترك مليء بالسعادة والأمل، إلى أن تلاشت الوعود تدريجيّاً، وتحوّل هذا المكان إلى كابوس يذكّره بما فقد، بحسب وصفه.
دراويش العشق
على عكس "باسل" الذي تزوّج "كارلا" (خطيفة) بعد أن جمعتهما مقاعد "حديقة التّجارة"، وانحفرت قصّة عشقهما على أحد أغصان الأشجار منذ 22 عاماً، بكلمات من أغنية تعبّر عن التحدّي والإصرار: "أهلك ما بدّن ياني.. بيّك عم يتحدّاني.. رضيوا وإن مارضيوا عليي.. خطيفة الليلة عشيّة.. انطريني الساعة 8".
وبقيت السّاعة الثامنة مقدّسة بتوقيت "باسل"، الذي روى لـ "المدن" وهو يشير بأصبعه: "هنا رأيتُ زوجتي أوّل مرة"، وعلى هذا المقعد اعترفت لها بحبّي، كانت هي الحقيقة الثابتة التي رافقتني طوال هذه السنوات، لينظر إليها، ويقول مبتسماً: "عشاق اتنين دراويش".
وترسّخت كلمة "دراويش" في ذهني وأنا في طريقي إلى "باب شرقي"، شاردة في لغة الحب المجرّدة التي سمعتها منهما.
وفجأة، التقيت بالطفلة "عبق"، التي تبيع الورود الحمراء يوميّاً في الأزقّة، وأمام الحانات، ثم لمحتها تقول لثنائي يفترش صخرة على حافّة الطريق: "اشتريلها وردة.. الله يخلّيلك ياها".
ابتسمتُ عندما اشترى العاشق "الولهان" وردةً حمراء لفتاة أحلامه، وقلت في نفسي: ها نحن نكتب قصّة جديدة في مكان سيتحوّل إلى ذكرى يوماً ما، لأنّ الحب في "الشام" ليس عابراً، بل هو محفور في الحجر قبل القلوب.
وعلى أنغام "بحبك وبتعنيلي بهالليلة الطويلة"، توقّفت صديقتي "راما" بسيّارتها مع خطيبها ودعواني للذهاب إلى "حديقة الجاحظ"، حيث يقضيان أغلب وقتهما، ويوثّقان على أرصفتها أجمل لحظات الحب بينهما، فأجبتهما: "اذهبا إلى مكانكما المعتاد، أنا سأذهب إلى حي القيمرية".
وفي "القيمرية"، استوقفتني فتاة قطفت ياسمينة، واستنشقت عبق المكان، قائلة للشاب الذي يرافقها: "ما أجمل رائحة النارنج"، وهي تدندن: "أحلفك لا تمل منّي.. ولا أبد يوم تهجرني، لأنّك بالقلب شريان إذا تنقطع تقتلني"، فابتسم الشاب والفتاة خجلاً حين رأياني مقابلهما، بينما كنت أشتري "الليمون الجامد"، ثم لوّحت لهما ومضيت.
جدران الشام
ومضيتُ قدماً وأنا أقرأ على "حيطان الشّام" عبارات مؤثرة، مثل: "تؤبريني"، و"بموت فيكْ"، "يا عيون قلبي أنتِ"، "بعشقكْ لآخر يوم بعمري"، هي جمل كثيرة تدعوك للحب، وتجعلك تتمنّى سرقة لحظات سعيدة مع من تحب من بين ركام الأزمات، لعل نظرة صادقة تنحفر في خيالك، ويصبح كلّ شيء يذكّرك بأنّك عاشق في دمشق القديمة.
وتتحدّث الأماكن في دمشق القديمة عن قصص عشق تتوارثها الأجيال، وعلى رأسها "مقهى النوفرة"، الذي لو نطقت جدرانه لروت أجمل الحكايات، فهناك من جلس فيها وحظي بحبّ لا نهاية له، و هناك أيضاً من وعد ورحل.
وفي كلتا الحالتين ها هي السّيدة "فيروز" مثل عادتها تطبطب على أكتاف المارّة بأنغامها التي تشدو من المقهى، فإما أن تدندن: "بيطلع عبالي أرجع أنا ويّاك"، أو أنها تنهي الرواية بقولها: "يا شمس المحبة حكايتنا اغزلي".




