فضيحة التفرغ في الجامعة: فساد أكاديمي يدفع ثمنه اللبنانيون

وليد حسينالثلاثاء 2026/02/17
Image-1771325261
بحسب الملف الذي أقرته الحكومة ستصبح نسبة التفرغ أكثر من120 بالمئة (القصر الجمهوري)
حجم الخط
مشاركة عبر

عادت الحكومة وصادقت على قرار التفرغ في الجامعة اللبنانية وقسمت الملف على أربع دفعات، واضعة في الدفعات الثلاث الأولى 400 متعاقد في كل دفعة، وتركت الدفعة الرابعة بلا رقم لتشمل الأساتذة المتبقين. 

 

في القرار الأول أقرت الحكومة تفريغ 1690 متعاقداً، ليتبين أن العدد تعرض لانخفاض طفيف. فبحسب معلومات "المدن" عاد رئيس الجامعة بسام بدران ووزيرة التربية ريما كرامي وشطبا أسماء المتعاقدين الذين سيحالون على التقاعد قبل مباشرة التفرغ في تشرين الأول المقبل وعددهم 37 متعاقداً، فانخفض العدد الكلي إلى 1653 متعاقداً. لكن مجلس الوزراء لم يتطرق إلى الأرقام الجديدة في القرار رقم 17 الصادر بعد الجلسة الأمس. وترك الباب مفتوحاً لإدخال أسماء أساتذة جدد للوصول إلى الرقم السابق.  

 

رفض أساتذة مستحقين 

وبحسب معلومات "المدن"، وبموازاة شطب بدران وكرامي أسماء الذين سيتقاعدون، جرى العمل على لائحة جديدة تضم أقل من أربعين أستاذاً ممن لا تنطبق عليهم الشروط التي وضعتها كرامي لناحية تطابق الشهادة مع الاختصاص. أصرت كرامي على عدم ادخال أقل من أربعين أستاذاً على الملف رغم أن العديد منهم يستحقون التفرغ أكثر ممن جرى "حشوهم" في الملف. 

 

وتشرح المصادر أن هؤلاء الأساتذة يدرّسون في الجامعة منذ أكثر من 15 سنة وبنصاب كامل لكن في كليات غير اختصاصهم. على سبيل المثال: أستاذ حقوق يدرس في كلية إدارة الأعمال مواد حقوق أساسية في الاختصاص. أو أستاذ يدرس فنون إعلانية في كلية الفنون، وهي مادة أساسية في الكلية، بينما، وبحسب معايير كرامي يجب أن يكون النصاب في كلية الإعلام. 

 

ضربت كرامي كل المعايير الأكاديمية العالمية في تفرغ الأساتذة في الجامعات ولم تحترم المعايير التي وضعتها هي بنفسها (نصاب مئتي ساعة في آخر سنتين) لدواعي طائفية وأدخلت أكثر من 400 أستاذ غير مستحقين على الملف الأول المؤلف من 1282 متعاقد. لكنها ترفض أربعين أستاذاً يستحقون التفرغ أقله أكثر من الـ400 أستاذ الجدد. فبحسب المرسوم 9084 تشكل لجان للاختصاص للمواد الشاغرة ويعلن عن الشغور للمواد الشاغرة وليس لكلية الاختصاص، وتدرس ملفات الأساتذة الذين تريد الجامعة التعاقد معهم على هذا الأساس. ما يعني أن قبول أو رفض طلب الأستاذ الذي يتعاقد لتدريس مادة اختصاصه، يتم على أساس شهادته واختصاصه، حتى لو كانت هذه المادة ليست ضمن كلية الاختصاص.  

 

ملفان على طاولة الحكومة

بعد إصرار كرامي على رفض طلبات هؤلاء الأساتذة بات على طاولة مجلس الوزراء ملفي تفرغ. الأول يتضمن 1653 متعاقداً والثاني يتضمن نحو 37 أستاذاً. وجرى رفع الملف الثاني كي تقرر الحكومة بشأنه، على اعتبار أن كرامي لا تريد تبني هؤلاء الأساتذة في الملف الأول. وربما يعود السبب إلى أن هؤلاء الأساتذة متنوعون طائفياً، بينما المطلوب وفق ما يعرفه المسؤولون تأمين أساتذة مسيحيين حصراً، سواء كانوا من أساتذة اختصاص أم لا، المهم أن لديهم عقد مع الجامعة حتى لو كان بثلاثين ساعة! 

 

مخالف للمعايير الأكاديمية

وعلمت "المدن" أن القوى المسيحية تلقت وعوداً من رئيس الجامعة بأن يصار إلى تفريغ أساتذة مسيحيين بعد أربع سنوات مكان كل أستاذ يتقاعد من الجامعة، للوصول بعد سنوات إلى المناصفة. وقد جاء في قرار الحكومة، في الفقرة الأخيرة، أن الحكومة تجيز للجامعة، بعد تشكيل مجلس الجامعة، تفريغ أساتذة مكان الأساتذة المتقاعدين (حمل القرار خطأ مطبعياً كبيراً حيث وردت كلمة متعاقدين عوضاً عن متقاعدين) بشكل سنوي. لكن هذا القرار لن يكون ساري المفعول إلا بعد أربع سنوات، أي عند انتهاء تفريغ كل الأساتذة الحاليين.  

 

أكاديمياً، يعتري ملف التفرغ الحالي عيب كبير، وهو بمثابة فضيحة يرتكبها المسؤولون. فبحسب دراسة أعدها فريق عمل رئيس الجامعة (لا تبن رسمياً لها) تأخذ بالاعتبار المعايير الدولية لعدد الأساتذة المتفرغين بحسب عدد الطلاب والاختصاص والكلية، يتبين أن الجامعة اللبنانية (63 ألف طالب ونحو 1350 أستاذ ملاك ومتفرغ) تحتاج إلى 812 أستاذاً متفرغاً لتصل الهيئة التعليمية فيها إلى نسبة توازي 80 بالمئة من الكادر التعليمي بالتفرغ. ما يعني أن العدد الذي اقترحته كرامي (1690) سيؤدي إلى نسب تفرغ تفوق 120 بالمئة في الجامعة. وهذا يعني أن المسؤولين لا يكترثون لمصير الجامعة ولا إلى ميزانية الدولة، رغم الإفلاس الحالي. 

 

كان حرياً بالحكومة الإصلاحية اصلاح الجامعة قبل الذهاب إلى التفرغ، وذلك بعد تحديد ملاك الجامعة. وهذا يتطلب وقف بدعة تشعيب المواد وإلغاء الاختصاصات التي يوجد فيها طالب وطالبين (ممارسات مزمنة في الجامعة هدفها تبرير التعاقد مع أساتذة)، وإعادة تحديد أنصبة الكليات بحسب عدد الطلاب. لكن المسؤولين وضعوا عربة التفرغ قبل حصان إصلاح الجامعة، رغم أن الوضع المالي للبلد لا يحتمل رفاهية الانفاق العشوائي. وعليه، سيؤدي التفرغ العشوائي إلى تحميل كل اللبنانيين كلفة الفساد الأكاديمي، الذي سيكون تمويله إما من خلال رفع الضرائب أو رفع سعر صفيحة البنزين، تماماً كما حصل في جلسة الأمس بما يتعلق بتمويل الزيادة لموظفي القطاع العام.  

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث