"البسطات" في دمشق... معركة كرّ وفرّ سعياً للرزق

أُبي شقيرالاثنين 2026/02/16
Image-1771245859
انتشار العربات الجوالة ينعكس سلباً على حركة المرور والمشاة ولا سيما في الشوارع الضيقة (أبي شقير)
حجم الخط
مشاركة عبر

مع مطلع كل أسبوع، تتكرر المشاهد ذاتها في شوارع مدينة دمشق وخصوصاً المناطق الشعبية والحيوية في العاصمة السورية، فحملات البلدية تنتشر في الشوارع الرئيسة، وعربات الباعة الجوالين (البسطات) تتحرك على عجل، بعضها ينسحب إلى الشوارع الفرعية، وبعضها يختفي لساعات بانتظار انتهاء الحملة.

 

مشاهد مألوفة

مشهد بات مألوفًا في مناطق مثل شارع الثورة والبرامكة والفحامة وبرزة وجسر الحرية ، حيث يتقاطع السعي إلى فرض الانضباط في مركز المدينة مع واقع معيشي يدفع كثيرين إلى التمسك بـ"البسطات" كمصدر رزق يومي.

 

صباح اليوم الاثنين ، نظم عدد من أصحاب "البسطات" وسط مدينة دمشق (عند باب كلية الحقوق) احتجاجات، اعتراضاً على حملات تنفذها البلدية لإزالة العربات. ودعوا إلى التراجع عما وصفوه قرار قطع أرزاقهم، مؤكدين أن هذه "البسطات" تمثل مصدر الدخل الأساسي لهم ولعائلاتهم، في ظل ظروف معيشية صعبة وغياب بدائل حقيقية للعمل، فكان التحرك سريعاً من القوات الأمن العام ثم تحركت محافظة دمشق للاجتماع بالمتضريين.

 

وتبقى هذه الإشكالية قائمة بين مطالب أصحاب "البسطات" بالحفاظ على مصدر رزقهم، ومساعي البلدية إلى تنظيم وسط المدينة وضبط المشهد العام، في وقت ينتظر الطرفان حلولاً عملية تضمن الحد الأدنى من التوازن بين الحاجة الاجتماعية ومتطلبات الانضباط المدني.

 

خسارة مصدر الدخل

أصحاب "بسطات" في منطقة البرامكة (عند مدخل وكالة سانا للأنباء)، أوضحوا لـ"المدن": أن اللجوء إلى البيع عبر العربات أو "البسطات" جاء نتيجة البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، معتبرين أن العمل في الشارع ما هو سوى حل اضطراري لتأمين الحد الأدنى من الدخل.

 

أحمد موسى، صاحب "بسطة" تحت جسر الحرية ، قال: إن عمله هذا جاء نتيجة البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، معتبرًا أن إزالة "البسطات" تعني فقدان مصدر الدخل الوحيد لكثير من العائلات.

 

الباعة يضطرون مع كل حملة تجريها البلدية للانسحاب إلى الشوارع الفرعية، ثم العودة مجددًا بعد انتهاء الحملة، في مشهد يتكرر بشكل دوري دون حلول دائمة.

 

من جهته، قال أبو عبد الله بائع آخر في المنطقة ذاتها، إن معظم أصحاب "البسطات" مستعدون للالتزام بأي تنظيم أو ضوابط تفرضها البلدية، بشرط عدم منعهم من العمل بشكل كامل ولكن بنفس المنطقة الجغرافية وعدم نقلها لمناطق غير مأهولة بالسكان، وأضاف أن الباعة لا يعارضون التنظيم بحد ذاته، بقدر ما يعارضون الإزالة الكاملة التي وصفها بأنها تضييق على لقمة العيش في ظل غياب أسواق بديلة أو أماكن مخصصة للبيع.

 

ضرورة الانضباط

يرى عدد من سكان مناطق البرامكة والفحامة وزقاق الجن، أن انتشار "البسطات" والعربات الجوالة ينعكس سلباً على حركة المرور والمشاة، خصوصاً في الشوارع الضيقة والمكتظة أصلاً، وأشار بعض الأهالي إلى أن وجودها بشكل عشوائي يؤدي إلى ازدحام مروري، ويعوق وصول السيارات والمارة، فضلًا عن التأثير على المشهد العام للمدينة.

 

ورغم تفهم شريحة من الأهالي للظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها أصحاب "البسطات"، فإنهم أكدوا أهمية إيجاد حلول تنظيمية توازن بين حق العمل والحفاظ على انسيابية الحركة في مركز المدينة، معتبرين أن المشكلة لا تكمن في وجود "البسطات" بحد ذاته، بل في غياب إطار واضح ينظم أماكنها وآلية عملها.

 

في المقابل، عبّر عدد من أهالي حي البرامكة (بجوار مبنى الهجرة والجوازات) عن تذمرهم من انتشار "البسطات" في الشوارع الرئيسة، معتبرين أنها باتت تشكّل عائقاً يومياً أمام حركة المرور والمشاة.

 

قالت روان ، وهي من سكان المنطقة، إن المشكلة لا تتعلق بأصحاب "البسطات" كأفراد، بل بطريقة انتشارها العشوائية، مضيفة أن الأرصفة لم تعد صالحة للمشاة، وخصوصًا لكبار السن أو العائلات التي ترافق أطفالها.

واعتبرت روان، أن غياب التنظيم يجعل المشهد أكثر فوضوية، رغم تفهمها للظروف المعيشية الصعبة التي دفعت كثيرين للعمل في هذا المجال.

 

لا حل عاجل

قال مدير دائرة الأملاك في محافظة دمشق، عبد الغني المحمود لـ"المدن": إن معالجة قضية الباعة المتجولين في وسط المدينة لا يمكن أن تكون عبر حلول سريعة أو مؤقتة، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة تخلق أزمات متكررة في الشوارع، وتسبب ازدحامات وتراكمات تؤثر على حركة المارة والسيارات.

 

وأضاف أن أي محاولة لحل المشكلة بشكل عاجل لا تعتبر مجدية، معتبراً أن الحلول الجذرية تأتي فقط ضمن خطط استراتيجية مدروسة.

 

وأشار المحمود إلى أن المحافظة تعقد ورشات شبه دائمة لبحث وضع بدائل مناسبة للأسواق وتنظيم عمل الباعة، لافتاً إلى أنه على الرغم من تخصيص أماكن لـ"البسطات" في السابق، فإن الالتزام بهذه المواقع لم يكن كاملاً، ويرجع ذلك، بحسب رأي أصحاب "البسطات"، إلى عزوف المواطنين عن ارتياد هذه الأسواق، بالإضافة إلى محدودية المساحات المتاحة وسط المدينة وازدحام الشوارع.

 

حملة شاملة 

وكانت محافظة دمشق قد أطلقت في نيسان الماضي، حملة شاملة لإزالة جميع الإشغالات العشوائية المنتشرة على الأرصفة والطرقات والممتلكات العامة.

وقالت محافظة دمشق، إنه بعد تأمين العديد من المواقع كأسواق بديلة عن الإشغالات، وانتهاء المهلة المحددة لإزالتها، نفّذت المحافظة حملة شاملة لإزالة جميع الإشغالات العشوائية المنتشرة على الطرقات والأرصفة والممتلكات العامة، نظراً لما تسببه من عرقلة لحركة السير وتشويه لمشهد المدينة العام.

 

وشددت محافظة دمشق، في بيان، على التزامها الكامل بعدم السماح بعودة أي مظهر من مظاهر الفوضى أو التعدّي على الأملاك العامة، مؤكدة أن هذه الإشغالات كانت تسيء للمظهر الحضاري وتعوق تنقّل المواطنين.

 

وفي 11 من نيسان الماضي، أمهلت محافظة دمشق أصحاب "البسطات" المخالفة المنتشرين في عدد من أحياء العاصمة حتى مساء السبت 12 من نيسان، لإزالة إشغالاتهم والتعدّيات على الأرصفة والطرقات والأملاك العامة، تحت طائلة الإزالة والمصادرة.

 

11 موقعاً موقتاً

وحددت محافظة دمشق 11 موقعاً مؤقتاً كساحات بيع بديلة عن الإشغالات المخالفة، بهدف تنظيم عمل أصحابها وتحويلها إلى مواقع منتظمة، تلبي احتياجاتهم وتخدم المواطنين بشكل أفضل.

 

المواقع المخصصة تتوزع على النحو الآتي: السويقة جانب المؤسسة العامة للتبغ، وحديقة ابن عساكر والزاهرة وشارع برج سيرياتل، وثانوية عصام كعور، وكراج صيدنايا مقابل دائرة خدمات سوق الهال، وحديقة دوار المطار قرب مخفر الشاغور.

 

كما تنتشر الساحات في: الزاهرة (جانب جامع الرضا)، ساحة الوسيم (جانب جامع الوسيم في شارع اليرموك)، ركن الدين (جانب مستشفى ابن النفيس)، مساكن برزة ساحة قره جولي، دمشق القديمة مقابل دوار المطار، وكفرسوسة الساحة قرب نادي المحافظة.

 

يأتي هذا الإجراء ضمن خطة المحافظة لتنظيم الأسواق الشعبية والحد من العشوائية، بما يحقق التوازن بين حقوق الباعة ومصلحة المستهلك، وفق قولها.

 

وطالبت محافظة دمشق جميع المواطنين من أصحاب "البسطات" الواردة أسماؤهم في جداول أعدت مسبقاً (من قبل دوريات مختصة جالت جميع شوارع العاصمة) التوجه إلى المواقع المحددة، لاستكمال إجراءات الاستلام مباشرة من قبل اللجان المختصة الموجودة في تلك الأسواق.

 

ويذكر أن شوارع دمشق شهدت ازدياداً ملحوظاً في انتشار "البسطات" خلال الأشهر الأخيرة، خاصة عقب سقوط النظام السابق، في ظل غياب الرقابة وتراجع الإجراءات التنظيمية، بالتزامن مع تدفّق كميات كبيرة من البضائع وملابس "البالة" القادمة من إدلب ومناطق كانت خاضعة سابقاً لسيطرته.

 

ويُعزى السبب الرئيس لهذا الانتشار إلى تصاعد معدلات البطالة، لا سيما بعد فقدان أعداد كبيرة من موظفي القطاع الحكومي وظائفهم إثر قرارات الفصل الجماعي، ما دفع بكثير منهم إلى التوجّه للعمل كباعة جوالين، بحثاً عن مصدر دخل يعينهم على تأمين متطلبات المعيشة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث