"أويها ويا صبايا اتجمّعي.. ويا ليل طوّل طوّل ويا شمس لا تطلعي". لم تكن هذه الزغرودة صدىً لحفل زفافٍ تقليدي، بل كانت تعبيراً عن بهجة الأصدقاء، وهم يلّتفون حول الخطيبين "فادي وجوليا"، محتفلين معهما بليلة تعبّر عن الحب التي تمنّوا ألا تنتهي.
ومع انتهاء السهرة، رقص الخطيبان على أنغام للموسيقار ملحم بركات: "وبتشرق لمين شمسك يادني.. يا حبّي ياغالي". وفي حديثهما لـ "المدن"، عبّر الثنائي عن خصوصيّة هذه اللحظات، وقالا: "نحن نحرص على الاحتفال بحبّنا كل عام وسط الأصدقاء، وقد قرّرنا أن يكون يوم زفافنا بشهر الحب شباط في العام القادم".
القلوب الحمراء
تشابهت قصّة العاشق والمعشوق مع حكاية الطبيبة سلوى وزوجها خالد اللذان يحرصان على الاحتفال بعيد الحب في كل عام. وعبّرا لـ"المدن" عن سعادتهما بحياتهما، قائلين: "لا تعنينا الورود والقلوب الحمراء.. قلوبنا التي تنبض.. هي التي تحيينا".
وكم من علاقة حب حقيقي دامت لسنوات؟، ومازالت قلوب أبطالها تنبض عشقاً بذات المشاعر الأولى، المتجدّدة والمجرّدة رغم الكثير من الضغوطات والظروف الحياتية.
الحب لا ينحصر بيوم!
يُحيي بعض الأحبّاء على اختلاف مسمياتهم عيد الحب، الذي يُصادف في 14 شباط من كل عام، حيث يقدّمون لبعضهم الهدايا تعبيراً عن مشاعر الحب.
ورغم أن البعض يرى أهمية كبيرة لهذه المناسبة، إلا أن البعض الآخر يعتبرها شكلية وتفتقر إلى معنى الحب الحقيقي، معتبرين أن الحب أسمى من أن يُقيّد بيوم واحد. وهذا ما عبّر عنه الموظف "سالم" (35 عاماً) قائلاً: "أنا وحبيبتي لا ننتظر مناسبة لإحياء حبّنا.. نحن نحتفل ببعضنا كل يوم".
مظاهر خجولة!
كانت الاستعدادات للاحتفال بعيد الحب في دمشق خجولة بعض الشيء، وفقاً لما أكده صاحب محل الهدايا "ماجد" (39 عاماً) قائلاً: "لم يعد الاحتفاء به كسابق عهده".
وأكد "ماجد" ارتفاع أسعار الهدايا في هذا العيد، حيث تراوح سعر "الدبدوب" بين 100 ألف و600 ألف ليرة سورية (قديمة) تقريباً بحسب حجمه، فيما وصل سعر الوردة الحمراء إلى 35 ألف ليرة سورية.
وبلغ أقل سعر عبوة عطر "تعبئة" 35 ألف ليرة سورية، فيما تراوح سعر الهدايا البسيطة بمختلف أنواعها من 65 ألف إلى 300 ألف ليرة سورية تقريباً.
الحب مُكلف!
فضّلت الطالبة الجامعية "روان" (20 عاماً) حياة العزوبية بدلاً من الحب، وقالت: "الحمد لله على عدم الارتباط، أرفض الوقوع في الحب لأنّه مكلف كثيراً وغير مناسب للظروف الصعبة في سوريا".
في سوريا، لم يعد الحب يحتاج إلى "قلب قوي" فحسب، بل إلى "رصيد بنكي" أقوى. فالعيد الذي كان رمزه وردة حمراء، صار رمزه "فاتورة مرعبة" جعلت الكثيرين يفضّلون العزوف عنه.
وقيّة لحمة ومازوت!
مع صعوبة الظروف المعيشية، ابتكر السوريون كعادتهم "رومانسية واقعية" استُبدلت فيها "الدباديب" الحمراء بهدايا عمليّة. وصار "بيدون المازوت" أو "وقيّة اللحمة" أصدق تعبيراً وأفخم قيمة بين بعض الأزواج في عيد الحب.
وقال بائع الحلويات "كنان" (37 عاماً): "بلا وردة بلا دبدوب.. بهي الأوضاع الهدية الصادقة هي وقيّة لحمة أو بيدون مازوت فرّح عيلتي فين، وهذا هو الحب الحقيقي".
ووافقه الرأي المهندس وائل (39 عاماً)، بقوله: "الهدية صارت كأنها قطعة آثار، وفاتورة العشاء بالمطعم بتخلّي الواحد يفكّر يحب ببيته أوفر بكتير".
مساحة مستقطعة!
يحمل المشهد في سوريا أبعاداً أخرى؛ حيث يجد كثيرون في هذا اليوم فرصة لاستجماع ما تبقى من مشاعرهم الجميلة مع من يحبّون مهما كلّفهم الثمن، وكأنّها "مساحة مستقطعة" للهروب من متاعبهم اليومية، طلباً للطمأنينة.
وتقول ربّة المنزل ليليان (27 عاماً): "اللي معو ما بتفرق معو، أما نحنا يا حسرتي، مو قدرانين نأمّن حاجاتنا لنهدي بعضنا بعيد الحب!".
وأضافت: "الكلمة الحلوة، أو النظرة المريحة، أو الغمرة الصادقة والدافئة في هذا اليوم لا يقدّرون بثمن".
"بدي حب وانحب"
وتختصر "ديانا" لوعة الكثيرين. فهي لا تبحث عن المستحيل، بل ترغب في عيش تلك التفاصيل البسيطة التي يمارسها البعض كعشاء رومانسي، وتبادل هدايا. وتقول: "جاية عبالي حب وانحب".
تركت السنوات السابقة في نفوس السوريين أثقالاً كبيرة، فمنهم من يبحث عن كلمة طيّبة ومنهم من يعجز عن التفوّه بها، ومنهم من يخافها، وآخرون يدندنون: "نسيت الدنيا وجريت عليه.. لاقينا رحنا على بحر شوق.. ونزلنا نشرب ودبنا فيه".. وفعلاً مين يصدق؟




