بالفيديو: موقع تل البيعة التاريخي يستعيد حضوره على الفرات

أيهم الشيخالسبت 2026/02/14
Image-1770994012
حجم الخط
مشاركة عبر

في قلب الجزيرة السورية، وعلى بعد ثلاثة كيلومترات فقط إلى الشمال الشرقي من مركز مدينة الرقة، يرتفع تل البيعة حاملاً في طبقاته آلاف السنين من التاريخ. 

 

هذا الموقع، المعروف بمدينة "توتول الأثرية"، لم يكن مجرد تجمع سكاني قديم، بل كان مركزاً سياسياً ودينياً مهماً عاصر مدناً كبرى مثل ماري وزلبا، واحتل موقعاً استراتيجياً عند ملتقى نهر البليخ بنهر الفرات، ما جعله نقطة محورية في شبكة العلاقات التجارية والحضارية في وادي الفرات.

 

آثار من الاف السنين

يقول نورس محمد، أحد العاملين في دائرة آثار ومتاحف الرقة – شعبة التنقيب لـ"المدن": "نقف اليوم في موقع تل البيعة، الذي أثبتت الدراسات والنصوص المسمارية أنه مدينة "توتول" التاريخية. هذا الموقع يُعد من أهم مواقع المنطقة، نظراً لما يحمله من شواهد أثرية تعود إلى الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد".

 

ويشير محمد إلى أن أعمال التنقيب المنظمة انطلقت مطلع ثمانينيات القرن الماضي ضمن بعثة سورية–ألمانية مشتركة، بإدارة الدكتورة إيفا شترومنغر والدكتور كايكل ماير، واستمرت لسنوات متتالية. وأسفرت الحفريات عن الكشف عن طبقات أثرية متعددة تعكس تعاقب حضارات مختلفة على الموقع، ما يدل إلى استمرارية الاستيطان فيه عبر مراحل زمنية متلاحقة.

 

ومن أبرز المكتشفات التي شهدها الموقع كنيسة تضم لوحات فسيفسائية فريدة مستوحاة من الطبيعة، تتضمن زخارف نباتية مثل شجرة النخيل، إلى جانب رسوم طيور، منها الطاووس وأنواع أخرى كانت معروفة في بيئة المنطقة قديماً. وتكشف هذه الفسيفساء عن مستوى فني متقدم وتنوع ثقافي يعكس التفاعل الحضاري الذي شهدته المنطقة في مراحل تاريخية لاحقة.

 

الحروف المسمارية

كما عُثر في تل البيعة على عدد كبير من الأحرف المسمارية التي ذكرت اسم مدينة "توتول" صراحة، وهو ما أكد هوية الموقع تاريخياً وربطه بالنصوص المكتشفة في أرشيف ماري. وتكتسب هذه الرقم أهمية خاصة، إذ تسهم في فهم طبيعة العلاقات السياسية والاقتصادية في وادي الفرات، وتوضح دور "توتول" كمركز مؤثر في محيطها الإقليمي.

 

الموقع الجغرافي لتل البيعة كان عاملاً حاسماً في ازدهاره. فوجوده عند ملتقى نهرين رئيسيين أتاح له التحكم بطرق التجارة والمواصلات المائية، كما عزز مكانته الدينية، إذ تشير بعض الدراسات إلى ارتباط المدينة بعبادة الإله "داغان"، الذي كان يحظى بمكانة بارزة في المنطقة.

 

ورغم القيمة التاريخية والعلمية للموقع، لا يزال بحاجة إلى مزيد من الاهتمام لناحية الحماية والتأهيل السياحي، خصوصاً في ظل التحديات التي مرت بها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، والتي أثّرت على عدد من المواقع الأثرية.

 

في هذا السياق، يؤكد المرشد السياحي حمزة المحمد لـ"المدن" أن تل البيعة يمثل "فرصة حقيقية لإحياء السياحة الثقافية في الرقة". ويقول: "الكثير من أبناء المنطقة أنفسهم لا يدركون أن هذه التلة تخفي تحتها مدينة كانت ذات يوم لاعباً رئيسياً في تاريخ وادي الفرات. نحن لا نتحدث عن أطلال صامتة، بل عن مدينة كانت شاهدة على تحالفات سياسية وصراعات وتبادلات تجارية شكلت جزءاً من تاريخ المنطقة".

 

ربط الحاضر بالماضي

ويضيف المحمد أن الموقع يمتلك عناصر جذب متعددة، من قيمته الأثرية إلى طبيعته الجغرافية المميزة عند ملتقى النهرين، موضحاً: "عندما نشرح للزوار أن هذه الأرض ذُكرت في نصوص مسمارية عمرها آلاف السنين، وأنها كانت معاصرة لمدن عظيمة مثل ماري، فإننا نعيد ربط الحاضر بالماضي. هذا الربط يعزز شعور الناس بالانتماء ويمنحهم فهماً أعمق لهويتهم".

 

ويرى أن تطوير البنية التحتية للموقع، من خلال إنشاء مسارات للزوار ولوحات تعريفية ومركز معلومات، يمكن أن يحول تل البيعة إلى محطة رئيسية على خارطة السياحة الأثرية في شمال سوريا. ويختم بالقول: "الحفاظ على هذا الإرث ليس ترفاً ثقافياً، بل مسؤولية جماعية. "توتول" ليست ملكاً لجيل واحد، بل هي ذاكرة ممتدة للمنطقة وللبشرية جمعاء".

 

وبين جهود التنقيب التي كشفت عن ماضي المدينة، والطموحات بتحويلها إلى مقصد ثقافي وسياحي، يبقى تل البيعة شاهداً على عراقة الجزيرة السورية، وموقعاً مفتوحاً على اكتشافات جديدة قد تسهم في إعادة كتابة فصول أخرى من تاريخ وادي الفرات.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث