طرابلس تستيقظ على انهيارات.. وسجن القبّة يرتجف خوفًا

المدن - مجتمعالخميس 2026/02/12
Image-1770815568
مخاوف السجناء لا تنفصل عن المزاج العام في طرابلس فبعد انهيار باب التبانة (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

سجن طرابلس، القُبَّة، مبنى قديم ومُهترئ يضمّ نحو ألف سجين وربّما أكثر، يتحوّل اليوم إلى عنوان قلقٍ داهم في مدينةٍ تُحصي انهياراتها واحدةً تلو الأخرى. ليس الخوف هنا مجرّد حديثٍ عن اكتظاظٍ وظروفٍ معيشيّة قاسية، بل هاجسٌ مباشر من أن يتكرّر داخل السجن ما تشهده الأحياء الشعبيّة من تصدّعات وانهيارات، فيما النزلاء محاصرون خلف أبوابٍ مُقفلة، بلا قدرةٍ على الهرب أو الاحتماء إن وقع الأسوأ. وهذا القلق تضاعف بعد انهيار مبنيين قديمين في شارع سوريا، في باب التبّانة، ما أدّى إلى سقوط عددٍ من الضحايا والجرحى. لكنّ وقع الحادثة لم يبقَ في مكانها، بل تمدّد سريعًا إلى أحياء طرابلس كلّها، وإلى مؤسّساتٍ عامّة تتشارك مع الأبنية المنهارة صفة القدم والإهمال، وفي مقدّمها سجن القُبَّة.

 

مخاوف السجناء

وفي حديثه إلى "المدن"، يُشير سجينٌ في سجن طرابلس، القُبَّة، إلى أنّ ما يجري في المدينة ليس بعيدًا عن داخل السجن، بل ينعكس فيه خوفًا وتشبيهاتٍ وأدلّة حسّيّة. يقول: "كما نرى، فإنّ الأبنية تتداعى. لقد انهار مبنيان خلال هذا الشهر. سجن طرابلس، القُبَّة، يقع تحته نحو ألف إنسان، وربّما أكثر". و

 

ويضيف أنّ السجن السّابق "لا يقلّ خطورةً عن الأبنية المهدّدة بالسقوط"، لأنّ "الانهيارات نفسها، والتشقّقات نفسها، وأوضاع السكن الرديئة ذاتها" تظهر فيه، وكأنّه نسخةٌ مغلقة من أزمة المدينة المفتوحة.

ويروي السجين، أنّ السجناء يشعرون بالاهتزازات في الداخل بشكلٍ مضاعف، وأنّ الأمر لا يمرّ كخبرٍ على الهاتف، بل كحركةٍ في السقف والجدران: "عندما تقع الهزّات الأرضيّة، نشعر في الداخل بهزّات كثيرة، فيتساقط من السقف غبارٌ وإسمنتٌ وحجارةٌ وشظايا، ويظهر التصدّع في السجن كلّه".

الأشدّ خطورة في شهادة السجين السابق، كما يقول، أنّ السجين محاصرٌ داخل غرفةٍ مقفلة. ففي أيّ طارئ، لا يملك نزيل الزنزانة خيار الخروج أو النجاة الفرديّة: "إذا وقعت هزّة، أو سقط مبنى، أو حدث أيّ ممّا ذكرتُه، فإنّ السجين يبقى داخل الغرفة والباب مُقفَلًا، ولا أحد يفتح الباب". 

 

ويتحدّث عن فترات العطل، حيث تُقفل الأبواب يومين أو ثلاثة أيّام متتالية، وقد تطول أكثر وفق ما يرويه، ما يعني أنّ أيّ انهيارٍ محتمل خلال هذا الإقفال قد يتحوّل إلى كارثةٍ بلا قدرةٍ على الإخلاء السريع. قائلًا: "فإذا انهار السقف والسجين في الداخل، فمن سيفتح له؟". 

 

الصرف الصحي والغذاء

لا يتوقّف توصيف السجين عند الجدران والسقف، بل يمتدّ إلى ما يعتبره أشدّ تهديدًا: أعطالٌ على امتداد البنى الداخليّة، "أعطالٌ لا تنتهي"، من المياه إلى الصرف الصحّي إلى الكهرباء، بما يجعل الخطر مركّبًا بين تدهور الخدمات وتآكل المكان. ويشدّد على أنّ أهميّة القضية لا تأتي فقط من كون المبنى متعبًا، بل من عدد البشر الذين يعيشون تحته: "هذا، في نظري، أهمّ من المباني ذاتها، لأنّه يضمّ تحت سقفه أكثر من ألف إنسان". ويُحذّر من أنّ الحلول الجزئيّة أو الترقيعيّة لن تمنع الكارثة، داعيًا إلى تدخّل الدولة والجهات المعنيّة قبل أن يصبح الوقت متأخّرًا. 

 

وضع السجن "مُزرٍ" بما يحمله من اكتظاظٍ وتدهورٍ صحيّ وتلوّثٍ في الغذاء. واقعٍ يوميّ قاسٍبين 50 و60 سجينًا ينامون في غرفٍ لا تستوعب سوى عشرة سجناء، ويستخدمون حمّامًا واحدًا، ويأكلون طعامًا يشتكون من أنّه يتعرّض للجرذان والحشرات. ومع ضيق المساحة ورداءة التهوية وسوء البنى الداخليّة، تصبح التفاصيل الصغيرة عبئًا مضاعفًا، ويصبح أيّ خللٍ إنشائيّ محتمل تهديدًا جماعيًّا.

 

يبقى أن مخاوف السجناء الحالية والأساسية تتمثل في المباني الآلية للسقوط. ومزاج السجناء لا تنفصل عن مزاج طرابلس العام. فبعد انهيار باب التبّانة، ارتفع منسوب الذعر لدى السكّان الذين يعيشون في أبنية قديمة ومتعبة، وسط سيلٍ من التحذيرات والصور والأخبار عن تشقّقات وتصدّعات في مناطق لبنانيّة عدّة. وفي بلدٍ لا يُلتزم فيه كثيرًا بمعايير السلامة الإنشائيّة، ولا تُتابَع فيه الصيانة دوريًّا، ولا تُحسم فيه ملفّات البناء العشوائي على أراضٍ مشاع، تصبح الانهيارات مشهدًا "قابلًا للتكرار"، لا حادثًا استثنائيًّا.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث