لم يكن انهيار المبنيين في طرابلس، الأول في القبة في 24 من الشهر الماضي، والثاني في باب التبانة قبل أيام، مجرد حادثين منفصلين في مدينة مثقلة بالإنهاكات. بين الغبار والركام، بدا المشهد أقرب إلى امتحان قاس لذاكرة مدينة اعتادت الإهمال، وامتحان أشد قسوة لمؤسسات دولة تصل دائمًا بعد فوات الأوان.
كما في كل كارثة، تقدّم الدفاع المدني إلى الصف الأول. عناصر بملابس متعبة، آليات هرمة، وساعات عمل مفتوحة على الاحتمالات. ليس بوصفهم أبطالاً خارقين، بل بوصفهم ما تبقّى من خط الدفاع الأخير.
نعمل لكل لبنان
بحسب المعلومات الميدانية، شاركت ثماني فرق من الدفاع المدني في عمليات الإنقاذ، إلى جانب الصليب الأحمر وكاريتاس وجمعيات أخرى، أي ما يقارب 11 فريقا عملوا معا في مسرح عمليات ضيّق، تمحور حول مبنى واحد في شارع سوريا. تنسيقٌ فرضته الضرورة، أكثر مما أملاه التخطيط المسبق.
مدير عام الدفاع المدني، العميد عماد خريش، يقرّ بحجم التحديات: "نحتاج إلى تطوير الآليات، ونحتاج إلى عتاد جديد وملابس وتجهيزات حديثة".
ويضيف: "جمعنا كل المعدات الموجودة في لبنان ونقلناها إلى طرابلس". غير أن الصورة، كما يقول، لا تخلو من الهشاشة: "حادثٌ آخر متزامن في منطقة لبنانية مختلفة كان سيضع الجميع أمام إرباك أكبر".
الطاقم البشري، وفق خريش، كان على مستوى الاختبار: تدريب وخبرة تُرجما بساعات طويلة تحت الركام، في ظروف ليست عادية. لكن الكفاءة البشرية لا تكفي وحدها حين تتقادم الأدوات. الأزمة الاقتصادية، منذ سنوات، أصابت الجهاز في عمقه: صيانة متعثرة، أسطول لم يُحدَّث، وآليات يعود معظمها إلى مطلع الألفية. كثيرٌ منها تخطّى ربع قرن من الخدمة من دون برامج صيانة كافية.
مقارنة بين الانهيارين
يستعيد المدير العام مقارنة بين المرحلتين: في الانهيار الأول، انتقل الفريق إلى الموقع بغرفة عمليات متنقلة ومحدودة التجهيز. في المرة الثانية، كانت الجهوزية أفضل. "اليوم ثبّتنا فريقًا متخصصًا دائمًا في طرابلس، يتبدل كل 24 ساعة"، في محاولة لتعزيز الاستجابة في مدينة تُعدّ من أكثر المناطق تعرضًا للمخاطر الاجتماعية والعمرانية.
سياسيًا، ثمة إجماع مُعلن، بحسب خريش، على ضرورة دعم الدفاع المدني. رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة، ووزراء ونواب كثر يكررون الالتزام بالملف. غير أن هذا الإجماع، كما تقول مصادر متابعة، لا ينعكس دائمًا بالسرعة نفسها على مستوى الاعتمادات والتنفيذ. بين الوعد والقرار، مسافة بيروقراطية ومالية لا تزال مفتوحة.
تمكين المرأة… بين الدعم والسجال
بموازاة المشهد الميداني، أثارت برقيات وتعاميم صدرت مؤخرًا نقاشًا حول حدود استخدام المؤسسات العامة، بعدما اعتبرها البعض مؤشرا إلى توظيف إداري في غير مكانه، عبر الترويج لمراكز تجميل تحت عنوان "تمكين المرأة". بين من رأى في الخطوة مخالفة صريحة، ومن دافع عنها بوصفها ممارسة شفافة لشكر الجهات الداعمة، تَشَكَّل سجال يتجاوز واقعة إدارية إلى سؤالٍ أوسع: أين ينتهي المقبول في علاقة القطاع العام بالهبات والدعم؟
المحامي علي عباس يضع المسألة في إطار قانوني حذر. يقول إن الهبات التي تُقدَّم للمؤسسات العامة غالبا ما تُرفَق بكتب وشروط لقبولها، "وهذه الخلفيات لا تُفسَّر إلا كهبة من صالونات أو جهات خاصة، وإلا نكون أمام مخالفة عامة".
في المقابل، يرفض المدير العام للدفاع المدني هذا الاتهام، متسائلًا: "أين الدعاية إذا وصلتني هبة، فقمت بشكر أصحابها وكنت شفافا أمام الناس وأعطيت كل ذي حق حقه وأصدرت بيانا لأخبر العناصر؟". بالنسبة إليه، المسار واضح: الهبات، عينيةً كانت أم مالية، تُقبل وفق الأصول الإدارية، تُسجَّل، ثم يُصدر بشأنها مرسوم هبة يُعرض على مجلس الوزراء لاتخاذ القرار والمصادقة. "لا شيء خارج الإطار القانوني"، يكرر.
العدد الحالي يقارب 2300 عنصر، فيما تُظهر دراسة أُنجزت بالتعاون مع خبراء فرنسيين واتحاد بلديات لبنان حاجة الجهاز إلى نحو 13,500 عنصر مثبت لتغطية الحاجات الفعلية. ضمن هذا السياق، يبرز ملف مشاركة النساء. " لدينا 120 سيدة فقط"، يقول خريش، معتبرا أن طبيعة عمل الدفاع المدني تتضمن مهاما كثيرة يمكن للنساء القيام بها. من هنا جاء قرار تغيير اسم "مكتب الجندرة" في المديرية إلى "مكتب تمكين المرأة"، وإطلاق برامج لتشجيع الانخراط النسائي.
ولأن التوظيف يحتاج إلى قرارٍ حكومي، اتجهت المديرية إلى توسيع دائرة "المتطوعين الاختياريين"، أي من دون معاش كحوافز ومكافآت تشجع على التطوع، في محاولة لتعويض النقص المزمن في العديد.




