مآسي طرابلس: إستثمار في الوجع والفوضى

رنا البايعالأربعاء 2026/02/11
c00f6abe-4cd9-4dea-a36f-63d5b859a5ac.jpeg
فيما كانت فرق الإنقاذ تنتشل الضحايا كانت الماكينات الانتخابية تجمع النقاط السياسية (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

لطالما شكّلت طرابلس لغزاً سياسياً عصياً على الفهم السطحي، لكنّها في المواسم الانتخابية تتحوّل إلى كتاب مفتوح، عناصره ثابتة ونتائجه غالباً ما تكون مخيبة لآمال أهلها.

اليوم، ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابية في أيار 2026، تعود المدينة لتتصدّر المشهد، لا من بوابة نهضتها الاقتصادية الموعودة، بل من تحت أنقاض أبنيتها التي باتت تتهاوى مثل الدومينو. وأصبح "الوجع" العملةَ الأكثر تداولاً، والمادة الخام التي تُصنع منها البرامج الانتخابية فوق رفات الضحايا وركام الأحلام المنكسرة.

 

منصة انتخابية فوق ركام التبانة

بعد فاجعة انهيار مبنى في منطقة "باب التبانة"، وبينما كانت فرق الإسعاف لا تزال تلملم ما تبقى من أشلاء، كانت الماكينات الانتخابية للمرشحين والكتل السياسية تلملم "النقاط السياسية". لم يتأخر السياسيون في الوقوف على أطلال المأساة، فتحوّل الركام إلى منصات انتخابية بامتياز.

وعلى الرغم من تمنّي رئيس الوزراء نواف سلام "للعاملين في السياسة، في طرابلس أو خارجها، أن يترفّعوا عن محاولات توظيف هذه الكارثة المروعة لجني مكاسب سياسية رخيصة وآنية"، لم تتوّقف تصريحات قوى المدينة السياسية. ما يعكس بوضوح كيف تستخدم المأساة في الاشتباك السياسي، فبين وعود بالترميم، ومطالبات ببدلات إيواء، واتهامات متبادلة بالتقصير، تبدو دماء الضحايا الوقود الضروري لتشغيل محركات الحملات الانتخابية الراكدة.

 

لم ينشغل نواب المدينة بالبحث عن حلول جذرية للكوارث المتنقلة، بل صبّوا اهتمامهم بالتصويب على الحكومة، حتى أن البعض كالنائب فيصل كرامي دعاها للاستقالة الفورية إذا ما فشلت في الإغاثة الفورية، ما اعتبره البعض استثماراً في الشعبوية قبيل الانتخابات. فيما ابن المدينة، ورئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي استغلّ الكارثة ليستعرض إنجازاته غير المكتملة ودعا حكومة سلام لاستكمال الإجراءات التي بدأتها "حكومته". وغيرهما من النواب الذين رأوا في الكارثة فرصة ذهبية للظهور الإعلامي وطريقة فعاّلة للتسلّل إلى المشهد السياسي الذي نسي حضورهم الباهت.

 

لكن في الكواليس الطرابلسية تغلي النفوس من الطبقة السياسية، فتصريحات بعض النواب يغيب عنها النقد الذاتي لتقصيرهم مع مدينتهم، ومحاولتهم الالتفاف على الحقيقة وإلقاء اللوم على الغير. ويرى البعض أن الانهيارات المتتالية للمباني في مدينة طرابلس تشكل إدانة لقيادات المدينة السياسية التي لا تجيد إلا الرقص فوق الجراح، ووصمة عار على جبين من جمعوا الثروات الضخمة ومارسوا سياسة إدارة الظهر لمدينتهم وأهلها، ولم يحاولوا يوماّ إيجاد حلول مستدامة. 

 

عهد العناوين الثقيلة والوعود

يواجه الطرابلسيون الكارثة تلو الأخرى قبل الاستحقاق الانتخابي، محمّلين بخيبة مزدوجة؛ خيبة من حكومة وعدت بالكثير في بيانها الوزاري لكنها لم تفِ إلا بالقليل تحت وطأة الأزمات المتلاحقة، وخيبة من عهد حمل عناوين سيادية وإصلاحية ثقيلة، تبين أنها كانت أكبر بكثير من واقع بلد منهك اقتصادياً وسياسياً.

ويشعر المواطن في طرابلس أن الدولة لا تتذكره إلا في حالتين: جباية الضرائب أو عشية الانتخابات. اليوم، تُستخدم قنبلة "الأبنية المتصدعة" الموقوتة – التي تهدّد أكثر من 600 مبنى في المدينة – كأداة للضغط المتبادل. شدّ حبال بين سلطة تحاول امتصاص النقمة عبر حلول مؤقتة وغالباً ما تكون ترقيعية، بينما يحاول نواب المدينة استثمار هذا الفشل لحقن النفوس واستخدام غضب الشارع في محاولة لتعويم دورهم السياسي. ويدور في صالونات المدينة السياسية همس عن محاولة "إلهاء" الرأي العام الطرابلسي واللبناني بكوارث الإنهيارات، لإبعاد الضوء عن قضايا ملحّة مثل "حصر السلاح" وتطبيق القرارات الدولية. أما داخل أروقة الحكومة، فيجري الحديث عن رصد اعتمادات لترميم 114 مبنى مهدداً بالخطر الشديد. لكن الشارع الطرابلسي، الذي لُدغ من جحر الوعود مراراً، ينظر إلى وعود "إنصاف طرابلس" وإلى الأرقام المطروحة بريبةٍ، لا سيما أن آليات الصرف غالباً ما تمرّ عبر قنوات "المحسوبية الانتخابية" وتوزيع المساعدات على "المفاتيح" في الأحياء الشعبية.

 

غضب الشارع واستثمار الفوضى 

لم يعد الغضب في طرابلس حبيس الجدران المتصدعة، فمنذ فاجعة الثامن من شباط 2026، تحوّلت شوارع المدينة إلى ساحات مفتوحة للإحتجاج. والتحركات الميدانية تعكس تحولاً في مزاج الشارع الطرابلسي، فالناس وقد استُثمر في فقرهم لسنوات، لم يعد يغريهم "بدل الإيواء"، أو "الإعاشة" أو "طلاء واجهة"، في ظلّ طبقة سياسية تتقن تحويل "الجنازات" إلى "مهرجانات انتخابية".

تدرك الحكومة حجم المخاطر، ما يفسّر الانتشار الكثيف للجيش اللبناني في محيط المناطق المنكوبة. فبينما يعمل الدفاع المدني تحت الأنقاض، تعمل الأجهزة الأمنية فوقها لمنع تحوّل الغضب الإنساني المشروع إلى انفجار اجتماعي شامل قد يطيح بالجدول الزمني للانتخابات.

لكن الفوضى قلّما تكون عفوية، ويتخوّف البعض من تدخل "غرف العمليات" السياسية على الخط لاستثمار هذا الغليان. ويخشى مراقبون من أن يتمّ دفع الشارع نحو "فوضى مسيطر عليها" لتبرير تأجيل الانتخابات النيابية في الشمال وربما في لبنان. فإذا ما تحوّلت الاحتجاجات إلى صدامات دائمة مع القوى الأمنية، قد تصبح الدواعي الأمنية هي العذر الأمثل للقوى المتخوّفة من صناديق الاقتراع للهروب نحو التمديد. وقد يُستخدم الرصاص الذي أطلق في الهواء خلال تشييع ضحايا التبانة، والاشتباكات المحدودة التي وقعت، كذريعة لتصوير طرابلس مرة أخرى كبيئة "خارجة عن القانون". هذا النوع من الاستثمار في الفوضى يهدف إلى تبرير الحلول الأمنية على حساب الحلول الإجتماعية، وتحويل الأنظار عن تقصير الدولة والمسؤولين والبلدية في ملف الأبنية المتصدّعة إلى ملف ضبط الأمن.

وهكذا، تعيش طرابلس صراعاً بين جبهتين: جبهة الناس الذين يطالبون بأبسط حقوقهم في "سقف آمن"، وجبهة القوى التي ترى في كلّ حجر يسقط فرصة لرفع رصيدها السياسي. فهل ستكون انتخابات 2026 مخرجاً للمدينة، أم أن الطرابلسيين سيسمحون باستغلال وجعهم مرة أخرى بوعودٍ تتبخر مع إقفال صناديق الإقتراع؟ قد يكون هذا هو امتحان الوعي الأخير.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث