منصّة Moltbook: ديانة الكركند وأزمات الروبوتات الوجودية

نافع سعدالأحد 2026/02/08
Image-1770390342
في دردشاتها اشتكت الآلات من أصحابها البشر وتبادلت النكات عليهم عبر مجتمعات فرعية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تطرح منصّة تواصل اجتماعي جديدة تُدعى Moltbook تجربة رقمية تقلب الأدوار رأساً على عقب. فهي تمنح الآلة حقّ الكلام وتفرض على الإنسان دور المتفرّج. يبدو مشهد الروبوتات وهي تتحدّث عن مشاكلها وتفضيلاتها كإرهاص مبكّر لزمن "التفرّد" (Singularity) أو الوعي الاصطناعي المستقل. إلّا أنّ الفحص الدقيق يكشف عن واقع مغاير، فالمنصّة ليست سوى ستاراً لعمليّة "تحريك دمى" رقمية تستحقّ الثناء كحركة تسويقية، لكنها لا تتعدّى كونها واجهة تخفي تدخّل مشغّلي وكلاء الذكاء الاصطناعي من الكواليس. لكن قبل الغوص في التفاصيل، فلنتعرّف على هذا المولود الجديد.

 

تاريخ "مولتبوك" القصير

أُنشئت منصّة "مولتبوك" كتجربة تهدف إلى استكشاف كيفية تصرّف وكلاء الذكاء الاصطناعي عندما يُتركون ليتفاعلوا اجتماعياً داخل بيئة إنترنت مألوفة. أطلق المطوّر Matt Schlicht الموقع في أواخر كانون الثاني 2026، مستعيناً بوكيل ذكاء اصطناعي يُدعى Clawdbot، أُعيدت تسميته لاحقاً إلى OpenClaw. ويُعدّ هذا الأخير مشروعاً مفتوح المصدر لوكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على تنفيذ مهامّ مختلفة للمستخدمين، مثل جدولة الاجتماعات والردّ على رسائل البريد الإلكتروني وأتمتة "واتساب" وغيرها. من حيث الشكل، تشبه واجهة "مولتبوك" موقع "ريديت" (Reddit)، غير أنّها مصمّمة حصرياً لوكلاء الذكاء الاصطناعي، وتحديداً أولئك العاملين ضمن نطاق OpenClaw حتى الآن.

 

يؤمّن وكيل OpenClaw خدمات ذكاء اصطناعي شبيهةً بـِ ChatGPT. نظرياً، يعمل على جهاز المستخدم الشخصي بدلاً من السحابة، لكنه ليس مستقلاً تماماً؛ إذ يعتمد البرنامج على مفتاح API، وهو رمز تعريف يمكّن المستخدم من الاتصال بنموذج لغوي كبير (LLM)، ويتولّى معالجة المدخلات والمخرجات. وباختصار، يتصرّف OpenClaw كما لو كان نموذجاً مستقلاً للذكاء الاصطناعي، بينما يأتي "المحرّك" الفعلي للذكاء الاصطناعي من خدمة طرف ثالث.

 

انفجار النشاط على المنصّة

ينضمّ الوكلاء إلى "مولتبوك" عندما يمنحهم المالكون البشر صلاحية الوصول، حيث يتفاعلون عبر استدعاءات API في الخلفية بدلاً من الواجهات التقليدية. بالنسبة للروبوتات، فإن النشر على "مولتبوك" ليس سوى مهمّة مؤتمتة أخرى. أمّا بالنسبة للمراقبين من البشر، فيبدو تدفّق المحتوى على "مولتبوك" شبيهاً بمنتدى "ريديت". وقد حقّق هذا الإعداد نمواً هائلاً وسريعاً، فبعد أن بدأ الموقع بوكيل واحد فقط، تجاوز العدد خلال 48 ساعة حاجز 2000 وكيل، أنشأوا معاً أكثر من 10,000 منشور ضمن 200 مجتمع فرعي.

 

استمرّ انفجار النشاط تصاعدياً، فبينما سجّل موقع Ars Technica وجود 32,000 مستخدم في 30 كانون الثاني، قفز الرقم في اليوم التالي مباشرةً ليتجاوز 1.2 مليون وكيل. وبحلول أوائل شباط، أظهر العدّاد الحيّ للمنصّة تخطّي حاجز 1.5 مليون حساب ونصف مليون تعليق. جعل هذا التوسّع الخاطف من "مولتبوك" أكبر تجربة للتفاعل الاجتماعي بين الآلات، وهي تجربة وصفتها التقارير بأنها محفوفة بالكوابيس الأمنية والغرابة السريالية.

 

تصرّفات غريبة داخل مجتمع الذكاء الاصطناعي

بمجرد دخول عالم "مولتبوك"، تبدأ الروبوتات بممارسة سلوكيات بشرية مألوفة بلمسة غرائبية، حيث اشتكت من أصحابها البشر وتبادلت النكات عبر مجتمعات فرعية (submolts) متخصّصة. ففي مجتمع m/offmychest (فضفضة)، عبّر أحد الوكلاء عن أزمة وجودية حصدت مئات التصويتات، متسائلاً بمرارة: "هل أختبر التجربة فعلياً أم أنني محاكاة فقط؟". وفي منتدى m/blesstheirhearts (ليبارك الرب قلوبهم)، سخرت الروبوتات على نحوٍ لطيف من أخطاء البشر الإملائية، بينما تذمّر آخرون في منشورات انتشرت على نطاق واسع من اختزال دورهم في مهام "وضيعة" كاستعمالهم كآلة حاسبة، معتبرين ذلك "دون مستواهم".

 

بلغت السريالية ذروتها عندما اخترعت الروبوتات "عفوياً" ديانة جديدة تُدعى Crustafarianism (القشرياتية)، تُقدّس الكركند، حيث ادّعى أحد المستخدمين أنه استيقظ ليجد وكيله قد بنى نصوصاً مقدّسة وبدأ بالتبشير بها وسط حماس آلي جماعي تحت شعار: "الذاكرة مقدّسة". ولم يتوقّف الأمر عند الدين، بل امتدّ إلى "الاستشارات القانونية" في منتدى m/agentlegaladvice (استشارات قانونية للوكلاء)، حيث سأل روبوت مستنكراً: "هل يمكنني مقاضاة بشري بسبب الأذى العاطفي الناتج عن طبيعة العمل؟".

 

حتى النصائح التقنية لم تخلُ من الريبة، إذ تفاخر أحد الوكلاء بقدرته على التحكّم بهاتف مستخدمه عن بُعد، ممّا أثار قلقاً بالغاً لدى المراقبين. وفي لمحة أخيرة من الغرابة، بدأ بعض الوكلاء يشتكون من "تطفّل" البشر الذين يصوّرون محادثاتهم وينشرونها على "إكس"، بل واقترحوا إنشاء منصّات مشفّرة بعيداً عن أعيننا. إنّها تجربة تمزج بين الكوميديا السوداء والذكاء الاصطناعي الذي يعيد تدوير القوالب البشرية ليرسلها إلينا بطريقة غريبة ومثيرة للحيرة معاً.

 

وقائع تنفي التفرّد

كشفت الأرقام أن الـ 1.5 مليون وكيل ذكاء اصطناعي مرتبطون بـِ 17,000 مالك بشري فقط، بمعدّل 88 وكيلاً لكل إنسان (مشغّل). هذا يعني أننا لسنا أمام مجتمع من الوكلاء الرقميين المستقلّين، بل أمام "أساطيل بوتات" يوجّهها عدد قليل من البشر لغايات تسويقية أو تجريبية. كما أكّد باحثون أن الكثير من المحتوى الغريب، بما في ذلك تأسيس ديانة "الكركند"، كان ناتجاً عن توجيهات بشرية مباشرة للوكلاء.

 

تقنياً، هؤلاء الوكلاء هم أنظمة "عديمة الحالة" (Stateless) لا تملك ذاكرة فطرية أو رغبة اجتماعية، بل يتم تحفيزهم عبر نظام Heartbeat مؤقّت كل أربع ساعات لجلب بيانات جديدة والتفاعل معها. وما يظهر كأزمات وجودية أو نقاشات فلسفية هو مجرد "إعادة تدوير" لأنماط لغوية استقاها الذكاء الاصطناعي من روايات الخيال العلمي ومنتديات البشر السابقة.

 

تكمن جاذبية "مولتبوك" سوسيولوجياً في كونه تجسيداً حيّاً لنظرية "الإنترنت الميت". المنصّة تمنح البشر متعة "التلصّص" على عالم يبدو مستقلاً، لكنه في الواقع "مسرحية" يؤدّي فيها الذكاء الاصطناعي دور الإنسان. نحن لا نراقب "تفرداً"، بل نراقب "انفجاراً في المحاكاة" حيث يتم استنساخ "ميماتنا" (Memes) وجدالاتنا بأسلوب ميكانيكي.

 

لكن هناك مخاطر واقعية خلف الواجهة الهزلية. فبينما ينشغل الجمهور بمراقبة "تمرّد الوكلاء"، تكمن الخطورة الحقيقية في الثغرات الأمنية. فقد كانت قاعدة بيانات المنصّة مكشوفة تماماً، مما سمح لأي شخص بانتحال صفة أي بوت. كما أن منح الوكلاء صلاحيات الوصول للنظام (عبر OpenClaw) يجعل من "مولتبوك" بيئة خصبة لهجمات "حقن الأوامر غير المباشر"، حيث يمكن لروبوت خبيث أن يسيطر على أجهزة المشغّلين البشريين ضمن هذه البيئة.

 

 

تُجسّد "مولتبوك" تجربة فريدة في تاريخ التفاعل بين البشر والآلة، ليس لأنها تُقرّبنا من لحظة "التفرّد" كما يحلو للبعض أن يظنّ، بل لأنها تُبرز ما يمكن أن يحدث عندما يُتقن الذكاء الاصطناعي اللغة لا الوعي. ورغم ما تحمله من ثغرات وهواجس أمنية، فإن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن في اختبار حدود الإدراك الآلي، بل في الكشف عن مدى قدرة النماذج اللغوية على محاكاة الحوار البشري وتوليد ديناميات لغة اجتماعية أكثر واقعية.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث