طرابلس والعيش في "توابيت معلقة": قتلى وجرحى تحت ركام الإهمال

جمال محيشالأحد 2026/02/08
Image-1770580746
ما يقارب600 مبنى مهدد بالانهيار تضم الآلاف الوحدات السكنية (جمال محيش)
حجم الخط
مشاركة عبر

في تمام الرابعة من عصر أمس الأحد، كان "شارع سوريا" في طرابلس يشهد لحظة انهيار مبنيين متلاصقين، تحولت معه عشر شقق سكنيّة إلى كومة من الغبار والنار والدماء والأشلاء، وأدى الانهيار إلى سقوط تسعة قتلى وعدد من الجرحى، فيما مصير العاقين تحت الأنقاض مجهولاً. وفيما كان عناصر الدفاع المدني يحاولون انقاذ العالقين تحت الأنقاض، كانت الصرخات تتصاعد وتخنقها الحجارة، وسط حال من الهرج والمرج تختصر مأساة مدينةٍ تعيشُ خارج مفكرة المسؤولين وخارج دائرة اهتمامهم.

 

وجوهٌ تحت الركام

بينما كانت فرق الإنقاذ تُسابق الزمن، بدا المشهد الميداني مختلفاً نسبياً عن كوارث سابقة شهدتها المدينة؛ حيث استُخدمت معدات وآليات ثقيلة لرفع الأنقاض بشكل أكثر تنظيماً ممّا كان عليه الأمر في حادثة انهيار مبنى القبّة، واستعين بالكلاب البوليسية المدربة التي جالت فوق الركام لمحاولة اقتفاء أثر أنفاسٍ لا تزال تقاوم الموت في عتمة الأقبية. لكن ورغم هذا الاستنفار كانت لائحة المفقودين تكبر. فحتى ساعات متأخرة من الليل، سُجّل أكثر من ستة شهداء: ن. الصايغ، م. العلي، و. خليل، ك. الكردي، م. الصايغ، وس. الصيداوي. أسماءٌ لعائلات لبنانية وسورية تقاسمت ضيق العيش لسنوات، إلى أن اختتمت رحلة شقائها بتقاسم الموت تحت سقف واحد، لتختلط الدماء فوق ترابٍ لم ينصف أحداً. وبينما نجا ثمانية أشخاص بأعجوبة من تحت الردم، لا يزال الأنين يتصاعد من بين الفجوات: شخصان على الأقل يصارعان بين الحياة والموت يحاول الدفاع المدني انقاذهما. هذا فيما يسيطر غضب شعبي عارم  وصرخات استغاثة تملأ المكان، حيث يختلط نحيب الأمهات بغضب الشبان الذين سئموا انتظار "دولة" لا تحضر إلا لرفع الجثث وإحصاء الخسائر.

 

استقالة تحت وطأة الكارثة

في اتصالٍ هاتفي مع "المدن"، بدا نائب رئيس بلدية طرابلس، خالد كبارة، وكأنه يقرع جرس الإنذار الأخير في وجه السلطة المركزية: "الموضوع أكبر بكثير مما هو معلن"، قالها بمرارة تلامس اليأس، مطالباً بإعلان حالة طوارئ فورية. الكارثة الحقيقية والفضيحة المدوية هي أن هذه الأبنية المنهارة لم تكن حتى مصنفة لدى دوائر البلدية كأبنية مهددة بالسقوط!

إلى ذلك تقدم مجلس بلدية طرابلس بالتعازي من أهالي الضحايا متمنياً الشفاء العاجل للجرحى. وقال في بيان: "لم نتقاعس يومًا عن تسخير كل طاقاتنا وفرقنا لمحاولة احتواء حجم هذه الأزمة التي تعصف بمدينتنا. وقد تحمّلنا مسؤولياتنا كاملة، بل وأكثر مما يفرضه دورنا، إلا أن حجم  المسؤولية الموروثة منذ سنوات قديمة يفوق قدرات البلدية وإمكاناتها، و اليوم نعيد مطالبة الحكومة اللبنانية بتحمّل مسؤولياتها الكاملة".
 وأضاف: "كنا قد وضعنا الحكومة اللبنانية أمام مسؤولياتها، الا أنّنا وللأسف لم نلقَ آذانًا صاغية، واقتصرت التعاطيات على وعود لم يعد الوقت يحتملها. وعليه، نضع اليوم استقالتنا الجماعية بتصرّف وزير الداخلية، ليس تهرّبًا من المسؤولية، بل لوضع الحكومة وأجهزتها أمام مسؤولياتها الكاملة تجاه هذا الوضع الخطير".

 

غضب في المدينة

وحيال هذه الكارثة التي حلّت بالمدينة خرج شبان في تحركات عفوية. وتجمع مئات الشبان عند ساحة دوار "أبو علي"،  قبل أن تنطلق مسيرات الدراجات النارية باتجاه بعض منازل سياسيي المدينة. وتمكن المحتجون من الدخول إلى باحة قصر الرئيس نجيب ميقاتي في منطقة الميناء، كما حاصروا محيط منزلي النائبين أشرف ريفي وكريم كبّارة، حيث قاموا بتكسير العوائق الحديدية والحواجز.


وقال أحمد علوش، أحد المواطنين الغاضبين لـ"المدن": "هذه التحركات ستتكرر كل يوم حتى تُحل المشكلة من جذورها.. لن ننام على ضيم، ولن ننتظر سقوط مبنى جديد لنتحرك، مهما كلف الأمر". وتزامن هذا الغضب الميداني مع دعوات واسعة لـعصيان مدني شامل، تعبيراً عن رفض أهل طرابلس للاستمرار في سياسة التهميش.

 

نكبة طرابلس بمبانيها

سبق وأكد بلدية طرابلس أن هناك ما يقارب 600 مبنى مهدد بالانهيار في المدينة، لكن الكشف لم يطال كل المناطق ولا المباني. فما هو مصير الآلاف من الوحدات السكنية الأخرى التي لم تصلها لجان الكشف؟ هذا العجز الكلي وعدم القدرة على مواجهة "تسونامي" الانهيارات، دفع برئيس البلدية إلى اتخاذ موقف متقدّم، واضعاً استقالة المجلس البلدي بكامله بتصرف وزير الداخلية، في إقرار واضح وصريح بأن السلطة المحلية قد رُفعت عنها الحماية والإمكانيات، وبأن "الموس وصل لرقبة" الجميع ولم يعد هناك مجال لمزيد من المماطلة.

 

لا حياة لمن تنادي

ليست هذه الفاجعة وليدة الصدفة. لقد كانت "المدن" حذرت من الكارثة قبل وقوعها حين دقت ناقوس الخطر في مقالاتٍ سابقة، محذرةً من أن الأبنية في منطقة باب التبانة باتت "مستنقعات" من المياه الآسنة التي تآكلت معها الأساسات. هذه المباني التي كانت يوماً "خطوط تماس" في جولات الاقتتال العبثي، أُنهكت برصاص القنص والقذائف، ثم أُجهز عليها بالاهمال وغياب الترميم.

واليوم، وفيما المبنى الثالث الملاصق مهدّد بالانهيار في أي لحظة، لا يبكي أهل طرابلس شهداء فاجعة أمس، بل يبكون مدينةً يلتهمها الموت شيئاً فشيئاً.

سقوط المبنيَين وما سبقهما هو سقوط اخلاقي لساسةٍ يتركون الفقراء يواجهون الموت في "توابيت معلقة" أو على رصيف التشرّد. 

 

لا تطلب طرابلس بيانات تعزية ولا خطب رنانة، بل تطلب قراراً حاسماً فورياً ينتشلها من تحت ركام النسيان قبل أن يسقط المبنى الثالث.. والرابع.. وتصبح المدينة أثراً بعد عين.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث