في ظل التحولات السياسية السريعة التي تشهدها سوريا بعد سقوط نظام الأسد، أصبح توحيد المناهج التعليمية شرق نهر الفرات (المناطق ذات الأغلبية الكردية) أحد أبرز التحديات أمام الحكومة السورية الجديدة.
مع استعادة السيطرة على مناطق واسعة في محافظات الرقة والحسكة ودير الزور من الجيش السوري وانسحاب قوات قسد، أعلنت وزارة التربية والتعليم عن خطط طموحة لدمج المناطق الشرقية في النظام التعليمي الوطني. ويأتي هذا الجهد في سياق استعادة السيادة التعليمية بعد سنوات من فرض مناهج تحت سيطرة الإدارة الذاتية (قسد)، التي اعتمدت على اللغة الكردية والفلسفة السياسية للحزب العمال الكردستاني (PKK).
رفض شعبي للمناهج
هذه المناهج أثارت رفضاً شعبياً واسعاً في المناطق العربية، حيث شهدت احتجاجات وحرق كتب، مع اتهامات بطمس الهوية العربية والوطنية. لذا بدأت الجهود الرسمية مع إعلان مدير التنمية الإدارية في وزارة التربية، عبد الكريم القادري، في يناير 2026، أن الوزارة تعمل على توفير المنهج الرسمي مع بداية الفصل الدراسي الثاني في المحافظات الشرقية.
هذا الإعلان جاء عقب توسع سيطرة الحكومة في مناطق عربية، حيث أكد الوزير محمد عبد الرحمن تركو تشكيل لجنة ميدانية لتقييم الاحتياجات المدرسية.
وقال مصدر خاص في وزارة التربية السوري لـ"المدن" إن الخطوات تشمل زيارة المدارس لفحص البنية التحتية، واستيعاب الكوادر التعليمية الحالية مؤقتاً مع تقييم لاحق، وسد النقص في التخصصات عبر توظيف معلمين بالوكالة أو بنظام الساعات.
وأضاف أن الوزارة تتخذ إجراءات عاجلة لإعادة إطلاق العملية التعليمية في "الجزيرة"، بما في ذلك إعادة تأهيل أكثر من 1000 مدرسة وإعادة دمج 15 ألف معلم جرى فصلهم في عهد الأسد.
ولفت إلى أن "الهدف هو النهوض بالواقع التربوي المتدهور، مع التركيز على المناطق المحررة حديثاً، حيث جرى تشكيل لجنة مركزية تحت إشراف الوزير المباشر، تضم مساعدين ومديري دوائر، لتقديم تقارير دورية حول توزيع الكتب واللوازم.
وذكّر بالمرسوم الرئاسي الصادر عن الرئيس أحمد الشرع رقم 13 لعام 2026 في 16 يناير، الذي يعترف باللغة الكردية كلغة وطنية ويسمح بتدريسها في المدارس العامة والخاصة في المناطق ذات الأغلبية الكردية، كجزء من المناهج الاختيارية. هذا المرسوم يشمل أيضاً منح الجنسية للكرد غير المسجلين واعتبار عيد نوروز عطلة رسمية، مما يعكس نهجاً شاملاً لتوحيد الهوية الوطنية دون إقصاء.
التحديات والاحتجاجات
مع ذلك، التحديات كبيرة. خلال سيطرة قسد، فرضت مناهج كردية في المدارس العامة منذ 2015، مما أدى إلى إغلاق مدارس خاصة تدرس المنهاج الحكومي، ودفع العائلات إلى التعليم المنزلي أو الخاص بتكاليف عالية.
في المناطق العربية، أثار ذلك احتجاجات واسعة، حيث رفض السكان المحليون المناهج التي يرونها ترويجاً لأفكار انفصالية. منظمات مثل اليونيسف أشارت إلى أن أكثر من 7 ملايين طفل سوري يعانون من نقص التعليم، مع تدمير آلاف المدارس.
الآن، مع اقتراب الفصل الثاني، تواجه الوزارة صعوبات في توزيع الكتب، تدريب المعلمين، ودمج الكوادر الموجودة، خاصة مع نقص المؤهلين في بعض التخصصات.
بشار الحمود، معلم من الرقة، يقول لـ"المدن": "الكثير من العائلات اختارت إرسال أطفالها إلى مدارس خاصة تدرس منهاج وزارة التربية، لكن الإدارة الذاتية أغلقتها. العائلات الفقيرة اضطرت لتسجيل أطفالها في مدارس قسد، التي تدرس منهاجاً كردياً يتعارض مع عادات المنطقة ويروج أفكاراً انفصالية".
يرى الحمود أن توحيد المناهج ضروري لاستعادة الهوية الوطنية، لكنه يحذر من التأخير في توفير الموارد، مما قد يؤدي إلى عام دراسي مشوه.
سيلفا معلمة كردية من شرق سوريا، تشدد على أهمية الاعتراف باللغة الكردية في المناهج الجديدة. وتقول: "المناهج الجديدة ستكون متسقة تماماً مع الإطار الوطني، لكن بشرط تدريس المادة في المناطق ذات الكثافة الكردية العالية".
وترى أن هذا التوحيد فرصة لتعزيز التنوع الثقافي دون إهمال الهوية الكردية، لكنها تطالب بتسريع التدريب لضمان جودة التعليم.
تبدو فرص نجاح التوحيد قبل نهاية العام مرتفعة، خاصة بعد الاتفاق الأخير مع قسد في 30 يناير 2026، الذي يعترف بتعليم اللغة الأم ويصادق على الشهادات من شمال شرق سوريا.
هذا الاتفاق يشمل سحب القوات من الخطوط الأمامية وتنسيقاً مع الوزارات، مما يسهل دمج المناهج. ومع ذلك، قد يبقى التوحيد شكلياً في البداية بسبب الواقع المتدهور: مدارس مدمرة، نقص كوادر، وتوترات أمنية. إذا نجحت اللجنة الميدانية في توزيع الكتب ودمج المعلمين خلال أسابيع، يمكن تجنب فقدان تعليمي إضافي.




