غياب القانون يحول الأحزاب اللبنانية إلى جزر طائفية

سامر سالم دبليزالخميس 2026/02/05
GettyImages-954163052.jpg
قانون الأحزاب هو المدخل الإلزامي لأي ديمقراطية فعلية لا شكلية (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

كل حديث عن إصلاح سياسي أو إنقاذ ديمقراطي في لبنان يبقى كلامًا فارغًا ما لم يُفتح الباب الجدي لإصلاح قانون الأحزاب. فالأزمة لا تكمن فقط في الأشخاص أو في نتائج الانتخابات، بل في القواعد التي تنظّم الحياة السياسية نفسها. ومن دون أحزاب حقيقية، لا ديمقراطية، ولا تداول سلطة، ولا محاسبة.
 

بلا شفافية مالية

الواقع أن العمل الحزبي في لبنان يعيش، بمعظمه، خارج أي منطق ديمقراطي. أحزاب طائفية تُدار كملكيات خاصة، قيادات لا تتغيّر منذ عقود، قرارات تُتخذ في غرف مغلقة، وتمويل غامض لا يخضع لأي رقابة فعلية. ورغم مشاركة هذه الأحزاب في الحكم والبرلمان والسلطة التنفيذية، لا يُطلب منها نشر ميزانياتها، ولا إجراء انتخابات داخلية منتظمة، ولا حتى الإعلان الواضح عن كيفية اتخاذ القرار داخلها. ومع ذلك، تُقدَّم للرأي العام على أنها أعمدة "التعددية السياسية".
 

هذا الخلل البنيوي سمح بتحويل الأحزاب إلى أدوات طائفية وزبائنية، لا إلى مؤسسات سياسية وطنية منتِجة للأفكار والبرامج لمصلحة المجتمع. والدليل أن الانتخابات النيابية المتعاقبة، رغم تغيير القوانين أكثر من مرة، لم تُحدث أي تحوّل بنيوي في الحياة السياسية، لأن الأحزاب نفسها بقيت تتحكّم بالترشيحات والتحالفات والتمويل، وفق المنطق الطائفي نفسه وبعيدًا عن أي مساءلة داخلية.
 

قانون الأحزاب الحالي لا يسأل عن الديمقراطية الداخلية، ولا عن شفافية التمويل، ولا عن مصادر القرار السياسي. لذلك، لا غرابة أن تتحوّل الأحزاب إلى جزر طائفية معزولة عن المجتمع، أو إلى أذرع لمصالح مالية وخارجية. والأسوأ أن هذه الفوضى تُسوَّق على أنها "تعددية سياسية"، فيما هي في الحقيقة تعددية مشوّهة، بلا مضمون ولا مشروع وطني جامع.
 

في المقابل، تُظهر التجارب الديمقراطية أن التعددية لا تُترك بلا ضوابط. ففي دول مثل ألمانيا، يُعد قانون الأحزاب جزءًا من منظومة حماية النظام الدستوري، حيث يُلزم الأحزاب بالديمقراطية الداخلية والشفافية المالية، ويمنح القضاء حق التدخل إذا ما تحوّل أي حزب إلى تهديد للدستور. وحتى في تجارب انتقالية أقرب إلى واقعنا، كما في تونس بعد عام 2011، كان تنظيم العمل الحزبي والتصريح عن مصادر التمويل من أولويات النقاش العام، إدراكًا بأن ترك الأحزاب بلا تنظيم يُفرغ الديمقراطية من مضمونها.
 

الفوضى تخدم الزعامات 

إصلاح قانون الأحزاب في لبنان، بالتالي، ليس ترفًا تشريعيًا، بل شرطٌ أساسي لإعادة الانتظام للحياة السياسية. فقانون عصري يجب أن يفرض معايير واضحة لتأسيس الأحزاب، وأن يُلزمها بتعددية طائفية فعلية في عضويتها، وببرامج سياسية معلنة، وانتخابات داخلية دورية، كما يضع سقوفًا وضوابط صارمة للتمويل السياسي، ويُلزم الجميع بالخضوع للدستور بوصفه المرجعية الناظمة لشؤون اللبنانيين. فالدولة التي لا تراقب أحزابها، لا يمكنها الادعاء بأنها دولة ديمقراطية.
الأخطر أن القوى السياسية نفسها، المستفيدة من هذا الواقع، هي من تعرقل أي نقاش جدي حول قانون عصري للأحزاب. فالفوضى تخدم الزعامات، وتحمي التوريث السياسي، وتُبقي المجتمع رهينة الاصطفافات الطائفية. وهذا التعطيل يتناقض صراحة مع روحية اتفاق الطائف، ولا سيما البند المتعلق بإلغاء الطائفية السياسية، إذ لا يمكن إلغاء الطائفية في الدولة بينما تبقى الأحزاب، وهي المدخل الطبيعي إلى السلطة، طائفية في بنيتها وتنظيمها.
إن التجديد وإعادة الانتظام للحياة السياسية لا يبدأان من صناديق الاقتراع، ولا من قوانين انتخاب مفصّلة على قياس الأحزاب النافذة، بل من القواعد التي تحدد من يصل إلى السلطة وكيف. وقانون الأحزاب هو المدخل الإلزامي لأي ديمقراطية فعلية لا شكلية. من دونه، سنبقى ندور في الحلقة نفسها: منظومة طائفية تعيد إنتاج نفسها، أزمات تتكرر، ونظام يجدّد فشله مرة بعد مرة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث