في قمة الويب قطر 2026، اصطف الحاضرون في مشهد لافت، خصوصًا النساء منهم، أمام جناح شركة "أمازون"، حيث اختارت الشركة دخول عالم الذكاء الاصطناعي من باب واسع من خلال القيام باختبار سريع، يتم على أساسه اختيار العطر المناسب للشخص في تجربة تحوّل التسوّق من العشوائية إلى التفضيلات المتخصصة التي تناسب ذوق المستخدم. ويتجلّى التفاعل بين الإنسان والآلة في منحى جدلي وإبداعي، حيث ناقشت بعض الشركات الناشئة طرقًا جديدة للتفاعل بين البشر والواجهات الذكية، وطرحوا رؤى لتجارب رقمية تنقل المستخدم من مجرد مستهلك إلى شريك في الإبداع الرقمي.
وجمعت القمة على مدار أربعة أيام أقطاب التكنولوجيا والاقتصاد والاستثمار والشركات الناشئة وروّاد الأعمال في المنطقة والعالم، في لحظات متوهجة تشكّل موجزًا نابضًا لروح المستقبل: روبوتات تتراقص كشهود على مرحلة تاريخية، مشاريع وطنية تأخذ التكنولوجيا إلى الشوارع والطرق، ومجموعة من العقول التي لا تتوقف عن السعي لتحقيق فكرة تجعل العالم أكثر ذكاءً واتصالًا. أجنحة تنقلك إلى عوالم مميزة بابتكارات الذكاء الاصطناعي مثل "سناب شات" وتيك توك"، اختراعات تفوق الخيال وتجارب مبدعة سحرت الجمهور الذي كان يدخل بانطباعات مجرّدة ويخرج منبهرًا بما شاهده واختبره.
الروبوت الراقص والمحارب
في أروقة القمة وبين الأجنحة المتفرقة، كان الناس يلتقون ويتجمعون خلال أيام القمة مع G1، حول الروبوت البشري الرشيق. كان يتحرك ويؤدي أمامهم حركات رياضية ورقصات مميّزة، وسحر الحاضرين عندما خرج إليهم مرتديًا الثوب والغترة والعقال. يستخدم هذا الروبوت نظام تحكم مدعوم بالذكاء الاصطناعي ونظام مفاصل مرن للمشي والتوازن والتعامل مع الأشياء. وكان هذا الروبوت وصديقة يونيتري G2 الكلب الآلي رباعي الأرجل، من روبوتات شركة Unitree Robotics، قد افتتحا اليوم الأول للقمة وسط دهشة الحضور وإعجابهم. ففي مشهدٍ لافتٍ حمل رسالة تقنية تتجاوز الترفيه، انطلقت القمة بأداء لروبوت راقص شاهد خلاله الحاضرين الذكاء الاصطناعي يتجسّد على المسرح، في لوحة جسّدت الإبداع والذكاء الميكانيكي بدقّة وتناسق يبدو كأنه رقصة بشرية بلمسة صناعية. هذا العرض لم يكن مجرد استعراض ترفيهي، بل تمثيل حيّ لقدرات الروبوتات يعكس مدى التقدم في مجالات التحكّم الحركي والتعلم الذاتي لدى أنظمة الذكاء الاصطناعي المتحرك.
بينما يظل العرض الراقص للروبوتات رمزاً للاندماج بين الفن والتقنية، تظهر على الساحة الابتكارات الأخرى التي تضع الإنسان في محور المستقبل المبتكر.
السّلم وصاحبه كانا في القمة
وشهدت القمة مشاركة العديد من صنّاع المحتوى العرب والأجانب، ولعل أبرزهم كان ماكس كليمنكو، صاحب سلسلة السلم الوظيفي، مع سلّمه الشهير، والشيف عبير الصغير صاحبة المحتوى الخاص بتحضير الطعام التي يتابعها قرابة 28 مليون شخص حول العالم.
وعلى الأرض بين أجنحة الشركات الناشئة، تجسّدت روح المغامرة الذكية في مشاريع وطنية ودولية تضرب بجذورها في عوالم الذكاء الاصطناعي والتفاعل الفعلي مع البشر. ومن أبرز هذه المبادرات كانت "سنونو للروبوتات" التي دشّنت مشروعها الخاص بتطوير أنظمة روبوتية ذكية، معززة بذلك موقع قطر في خارطة الذكاء الاصطناعي الفيزيائي والروبوتات ذات الاستجابة اللحظية للأحداث المحيطة، وهو ما يمثل قفزة نوعية في التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي خارج نطاق البرمجيات التقليدية. وأعلن السيد حمد مبارك الهاجري، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "سنونو"، أن الخطة الإستراتيجية تهدف إلى الاعتماد على الروبوتات في تنفيذ عمليات التوصيل بحلول 2035. عن الإطلاق الرسمي لذراع "سنونو للروبوتات"، مؤكداً أن الخطوة تمثل محطة جديدة في مسيرة الشركة، ولفت إلى "تركيز المشروع الجديد على تطوير أنظمة تعتمد على الطائرات دون طيار والمركبات الأرضية ذاتية القيادة وتعمل بتكامل ذكي يمكّنها من استشعار البيئة واتخاذ قرارات مستقلة في الزمن الفعلي، بما يُسهم في رفع كفاءة عمليات التوصيل والخدمات اللوجستية".
وتطويرًا للمحتوى العربي في العالم ودعمًا لانتشاره، تخلل القمة إعلان عن إطلاق شهدت مجريات القمة إعلان "آي هارت عربي" لنشر محتوى البودكاست باللغة العربية، من "آي هارت ميديا" أكبر موزع للبودكاست في العالم. كما كانت هناك العديد من الشركات الناشئة التي تعزّز المحتوى العربي مثل تطبيق "هدهد" الذي أطلقه الأستاذ الجامعي أحمد دياب، والمبتكرة سلمى خليفة التي قدمت تطبيقًا يدعم الطلبة في دراستهم. بينما اهتم آخرون بكل ما هو متعلق بالكتب والإصدارات مثل تطبيق "بوك تاون" لمحمد هاشم، وتطبيق "بنيان" لوليد المحروقي، وغيرهم الكثير من الذين عملوا على تلبية احتياجات الإنسان على اختلافها.
قمم في قمة
خلاصة القمة كانت180 جلسة تفاعلية تحدّث خلالها 427 متحدثًا عالميًا، وحضرها قرابة 30274 مشاركًا. حيث اجتمعت تحت سقف القمة قمم عدة تراوحت بين قمة الذكاء الاصطناعي التي استعرضت أحدث التطورات بالذكاء الاصطناعي وتأثيره المتسارع في تطوير المنتجات، وتحسين آليات اتخاذ القرار، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي في مختلف القطاعات. وقمة التسويق التي بحثت في كيفية توظيف العلامات التجارية للبيانات والإبداع والأتمتة لتقديم تجارب تسويقية أكثر تخصصًا وأعلى تأثيرًا في مشهد رقمي عالي التنافسية. إلى جانب قمة المشاريع الجديدة حيث تجمّع رواد الأعمال والمستثمرين لاستعراض الإستراتيجيات التي تقود المرحلة المقبلة من تأسيس الشركات الناشئة، مع التركيز على الكفاءة وبناء الحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي وإمكانية التوسع عالميًا، وكان أبرز ما انضوى تحت هذه القمة جناح "استثمر في قطر" والمدينة الإعلامية قطر، حيث استقطبا مئات الراغبين في تأسيس شركات بسبب التسهيلات المقدّمة من دولة قطر لتشجيع الاستثمار.
وكان هناك القمة الرياضة التي تطرقت إلى أوجه التكامل بين الرياضة والتكنولوجيا، من تحليلات الأداء وابتكارات الرياضيين وصولًا إلى النماذج الجديدة لتفاعل الجمهور والإعلام الرياضي الرقمي. إلى جانب قمة الصحة التي سلّطت الضوء على التقنيات الناشئة في الصحة الرقمية، واستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي لأغراض طبية، والتكنولوجيا الحيوية، ودور هذه التقنيات في تطوير نماذج رعاية صحية وتحسين مستويات علاج المرضى. وبالطبع كانت قمة الطاقة الجديدة المسرح الأهم لاستكشاف الابتكارات التي تقود التحوّل العالمي في قطاع الطاقة، بما يشمل مصادر الطاقة المتجددة، وتقنيات مواجهة تغيّر المناخ، والأطر الجديدة لتحقيق أمن الطاقة والاستدامة.
أما قمة الحكومات فناقشت سُبل استجابة الحكومات للتغيرات التقنية المتسارعة عبر التحوّل الرقمي والابتكار في القطاع العام وصياغة الأطر التنظيمية والسياسات المستقبلية.
وزير الإعلام اللبناني د. بول مرقص حلّ متحدثًا رئيسيًا في جلسة "Democracy Under Pressure" التي بحثت في سبل تعزيز الثقافة الرقمية ودعم مصادر المعلومات الموثوقة والتصدي للتضليل الذي يفاقمه الذكاء الاصطناعي. وأكد لـ"المدن" أن "المناسبة كانت للسعي لبناء شراكات مع وزارة الإعلام في لبنان مع القطاع العام والخاص في قطر". وأثنى على التطور الكبير في المشهد الإعلامي في قطر لأنه يعود بالنجاح بالفائدة على الجميع. وقال: "كلما كان الإعلام ناجحًا كلما انعكس ذلك إيجابًا على المحيط وخصوصًا عندما يأتي من قطر، فإن الخير يأتي من قطر".
اللقاء في قمة الويب قطر 2027
في قمة الويب قطر 2026 تجلّت التكنولوجيا كقصيدة حركة وذكاء، حيث تدفّق الإبداع من منصات العرض إلى قلوب الحضور كأنها نغمات متشابكة في سيمفونية عالمية من الابتكار والفرص الاستثمارية. بينما تلتقي الرؤى وتتشابك الشراكات، برز على أرض المعرض عروض عابرة للزمن تجسّد روح المستقبل بكبريائه وتفاؤله.
ورافق القمة ليالٍ موسيقية مميّزة وباحات للقاء التفاعل اليومي، جمعت المشاركين في جولات تعارف سريعة ومباريات ألعاب كرة قدم وغولف وكرة طاولة. لتسدل القمة مساء الأربعاء الستار على فعاليات هذه الدورة، على أمل اللقاء في العام المقبل في قطر، مع كل جديد في عالم التكنولوجيا والإبداع.
قمة الويب قطر 2026 لم تكن حدثًا تقنيًا فحسب، بل تحفة تتناغم فيها الروح البشرية مع الآلة في سيمفونية التطوّر الذي يتحرك بلا توقف في عالم يتوق إلى غدٍ أكثر ابتكارًا.
