ما جرى مع مستشفى صلاح غندور في بنت جبيل ليس حادثًا عابرًا ولا رسالة موضعية. هو حلقة جديدة في سياسة إسرائيلية باتت معروفة المعالم: الاتهام أولًا، ثم القصف، فالتبرير اللاحق. السيناريو نفسه الذي كُتب بالدم في مستشفيات غزّة، يُعاد اليوم على أرض الجنوب اللبناني، بالأدوات ذاتها وباللغة نفسها.
مناشير ألقاها العدو فوق المدينة، تحمل تهديدًا مباشرًا واتهامًا جاهزًا باستخدام المستشفى من قبل عناصر حزب الله. لغة سبق أن مهدت لاقتحام مستشفيات غزّة وتدميرها، تُستعاد حرفيًا. اتهام يكفي لفتح الطريق أمام الاستهداف. وكما في كل مرة، يتبيّن لاحقًا خواء هذه الادعاءات، كما حصل سابقًا في مستشفى الساحل، حين روّج المتحدث باسم جيش العدو لوجود مستودع وأنفاق ومخابئ تحت مبناه الكائن على طريق المطار، تحتوي على ملايين الدولارات من العملات الورقية ومن الذهب. ثم قبل توجه الإعلام ليومين متتاليين إلى المكان، جرى تكذيب المزاعم الإسرائيلية.
غزّة: حين صارت المستشفيات أهدافًا مشروعة
منذ الأسابيع الأولى للحرب على غزّة، تحوّلت المستشفيات إلى أهداف مباشرة، في سياسة لم تُخفِ معالمها. مستشفى غزة الأوروبي في خان يونس تعرّض للقصف وأُصيب مدخله، فيما اقتُحم مجمّع الشفاء الطبي مرارًا، دُمّرت أقسامه وأُحرقت، واعتُقل وقتل مرضى ونازحون وعاملون فيه، قبل إخراجه نهائيًا عن الخدمة. مستشفى أصدقاء المريض اختفى عمليًا من الخريطة الصحية بعد تدميره وإحراقه، كما طالت الاستهدافات مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا، الذي دُمّرت أجهزته الحيوية ومولداته، واعتُقل مديره خلال اقتحامه.
ولم يكن مستشفى العودة ولا المستشفى الإندونيسي ولا مستشفى الأمل التابع للهلال الأحمر ولا مستشفى ناصر في خان يونس بمنأى عن هذا المسار، إذ تعرّضت جميعها للقصف أو الاقتحام أو الإخلاء القسري، ما أدّى إلى تعطيلها جزئيًا أو كليًا. ووفق وزارة الصحة في غزة، فإن كل مستشفيات القطاع، وعددها 38 بين عامة وخاصة، تعرّضت لشكل من أشكال الاستهداف المباشر.
في كل مرة، الذريعة واحدة: "استخدام عسكري". وفي كل مرة أيضًا، النتيجة واحدة: مستشفى يُخرج عن الخدمة، مدنيون يُحرمون من العلاج، ومحاولة ممنهجة لتجفيف أي إمكانية للحياة أو الصمود.
مستشفيات جنوب لبنان
ما شهدته غزّة لم يبقَ محصورًا هناك، بل تكرّر، وإن بصيغة لبنانية، على امتداد الجبهة الجنوبية. خلال الحرب المفتوحة، خرجت أربعة مستشفيات عن الخدمة في الجنوب: مستشفى صلاح غندور، مستشفى مرجعيون الحكومي، مستشفى بنت جبيل الحكومي، ومستشفى ميس الجبل الحكومي، فيما أُضيف إليها مستشفى السانت تريز في بلدة الحدث. وفي البقاع، أعلن مستشفى المرتضى في بعلبك خروجه المؤقت عن الخدمة بعد أضرار جسيمة لحقت به جراء القصف، في مشهد يعكس هشاشة القطاع الصحي أمام الاستهداف المباشر.
اليوم، يعود مستشفى صلاح غندور إلى الواجهة، لا بوصفه مبنى طبيًا فحسب، بل كملاذ أخير لمن لا يملكون كلفة الطبابة. هو المستشفى الذي تتكئ عليه قرى رميش، بليدا، مارون، يارون، يارين، حاريص، دبل، عيترون وسواها. مثلث حدودي كامل يعيش على قدرته على البقاء مفتوحًا، وعلى أن يبقى فيه ما يشبه الحياة.
"التهديد يطال كل الناس"
يختصر مدير مستشفى صلاح غندور، الدكتور علي شلهوب، طبيعة ما يجري بجملة واحدة: "التهديد لا يطال المستشفى وحده، بل يطال كل الناس، لأن الجميع يستفيد منه". بالنسبة إليه، المسألة أبعد من استهداف مبنى أو إدارة، هي محاولة لترهيب مجتمع كامل، من مرضى وجرحى وأطباء وممرضين، ودفعهم إلى التخلّي عن آخر ما يربطهم بالحياة اليومية.
يؤكد شلهوب أن الادعاءات الإسرائيلية "باطلة ولا أساس لها"، مشددًا على أن المستشفى هو "المؤسسة الوحيدة المتبقية في المنطقة"، وأن الطاقم الطبي "كان يعمل تحت القصف والمخاطر، باللحم الحي". ويوجّه نداءً مباشرًا إلى المجتمع الدولي، والصليب الأحمر، والدولة اللبنانية، "للدفاع عن أشخاص عُزّل، سلاحهم السماعة وجهاز الضغط". ورغم القصف والتهديد، يصرّ على موقفه: "نحن نعمل بشكل طبيعي، نعالج الجميع، ومستمرون بهذه الرسالة".
سياسة تفريغ لا أخطاء عسكرية
بحسب مصادر طبية لـ"المدن"، فإن استهداف مستشفى صلاح غندور لا يمكن قراءته كحادث عرضي أو خطأ ميداني، بل يندرج ضمن سياسة واضحة المعالم: "الإسرائيلي لا يريد للمنطقة أن تعيش، يريدها خالية من أي مقومات حياة، لتطفيش الناس". في هذا السياق، يصبح المستشفى هدفًا لأنه يمنح الناس سببًا للبقاء، ولأن وجوده يناقض فكرة الأرض الفارغة.
من غزّة إلى بنت جبيل، لا يتبدّل المشهد كثيرًا. الاتهام نفسه، التهديد نفسه، والقصف نفسه. المستشفى يُستهدف لأنه يسمح للناس بالبقاء، لأن فيه نبضًا، ولأن فيه احتمال حياة في زمن يُراد له أن يكون خاليًا من أي أمل.
اليوم كان مستشفى بنت جبيل وغداً مستشفى آخر. فهذا هو المسار الإسرائيلي "الغزاوي". فحين تُقصف المستشفيات، لا تكون الحرب ضد "عدو"، بل ضد فكرة أن المدني يستحق أن يُعالج. وفي هذا المعنى، يصبح الدفاع عن مستشفى صلاح غندور دفاعًا عن أبسط الحقوق الإنسانية: أن يعيش الناس… حتى في الحرب.
