للعام الثالث على التوالي تستضيف العاصمة القطرية الدوحة، قمة الويب العالمية حتى الرابع من فبراير 2026. وقد زار سموّ الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مكان انعقاد قمة الويب قطر 2026، في مركز الدوحة للمعارض والمؤتمرات، واطلع على ما تحتضنه هذه المنصة التكنولوجية الرائدة في المنطقة من مبادرات متطوّرة من شأنها فتح مسارات جديدة للابتكار والشراكات وريادة الأعمال في المجال الرقمي، آملًا أن تُسهم القمة في تحفيز تبادل الخبرات ودعم الاقتصاد المعرفي في الإقليم. وجال في أجنحة الشركات الوطنية والعالمية المشاركة وما تختزنه من أحدث الابتكارات والأنظمة التقنية المتقدمة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال والتحوّل الرقمي.
وتؤكد قطر مكانتها كأحد أبرز الوجهات التكنولوجية على مستوى العالم، حيث تستضيف في هذه القمة أكثر من 30 ألف مشارك من 124 دولة حيث أعلنت القمة عن أن جميع التذاكر تم بيعها بالكامل، ويشارك فيها أكثر من 800 مستثمر، وقرابة 400 متحدث، وأكثر من 180 شريكًا. ويشارك في القمة ما يزيد عن 1600 شركة ناشئة من بينهم 190 شركة قطرية إلى جانب مشاركة نسائية بالشركات الناشئة تبلغ 47 %، إضافة إلى تغطية إعلامية واسعة بمشاركة ما يزيد عن 600 إعلامي من مختلف أنحاء العالم، علمًا أن باب التقديم للاعتمادات أغلق بسبب الوصول إلى العدد الأقصى.
برنامج إقامة 10 سنوات لروّاد الأعمال
وكانت أعمال القمة قد انطلقت الأحد، وتحدث خلال الافتتاح معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، مؤكدًا أن دولة قطر تحرص على الإسهام الفاعل في صناعة مستقبل الابتكار العالمي، من خلال تعزيز الشراكات الدولية ودعم منظومة التكنولوجيا والشركات الناشئة.
وأعلن معاليه عن توسيع برنامج "الصندوق القابض"، الذي أطلقه جهاز قطر للاستثمار بقيمة مليار دولار، والذي استقطب بالفعل 12 من صناديق رأس المال الجريء إلى الدوحة، قائلًا بهذا الصدد: "واليوم، نقوم بتوسيع هذا البرنامج بضخّ استثمارات إضافية بقيمة ملياري دولار". وأعلن معاليه عن توسيع برنامج "ابدأ من قطر" التابع لبنك قطر للتنمية لعام 2026، وإطلاق برنامج إقامة لمدة عشر سنوات لروّاد الأعمال والمؤسسين وكبار التنفيذيين، قائلًا "ندعوهم من خلاله إلى الاستقرار والنمو جنبًا إلى جنب مع دولة تستثمر في مستقبلهم"، لافتًا إلى تسهيل عمليات تأسيس الشركات في قطر، حيث بإمكان الذين يسجلون خلال قمة الويب، إنجاز الإجراءات، وفتح الحسابات المصرفية، والحصول على الإقامة خلال أيام معدودة. وأكد معاليه أن قطر توفّر بيئة آمنة وكفؤة ضريبيًا تتيح لرؤوس الأموال النمو والتوسع.
وأوضح معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري أنه مع هذه الوتيرة المتسارعة للنمو في هذا المجال، تبرز أهمية بناء القدرات، من البرمجة إلى التمويل، لمواكبة ما هو قادم، وفي هذا الإطار، أنشأت دولة قطر مؤخرًا شركة "كاي" للذكاء الاصطناعي، التي ستوفر البنية التحتية السيادية والأنظمة البرمجية اللازمة لتعزيز قدرات دولة قطر وشركائها في هذا المجال، بما يضمن استمرار عجلة الابتكار في الدولة.
وكشف معاليه عن إقران رأس المال بالقوة التقنية، من خلال توفير اعتمادات حوسبة مخصصة للشركات الناشئة في قطر لتسريع نموها، إلى جانب زيادة حوافز الشركات الناشئة بمقدار ثمانية أضعاف، بعد عام شهد تضاعف تسجيل الشركات الناشئة في قطر، ووصول عدد الطلبات إلى أكثر من ستة آلاف طلب.
الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب
وحضر حفل الافتتاح عدد من أصحاب السعادة الوزراء وكبار المسؤولين في الدولة، ورواد الابتكار، وصناع القرار، والمستثمرين، وقادة التكنولوجيا من مختلف أنحاء العالم.
من جانبه، أكد السيد بادي كوسغريف، المؤسس والرئيس التنفيذي لقمة الويب، أن هذا الحدث يُعدّ من الأحداث الأكثر تأثيرًا على مشهد التكنولوجيا العالمي، وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، بدأ مركز الثقل التكنولوجي في العالم يشهد تحوّلًا ملحوظًا فقال "إن الحديث قبل 3 سنوات كان يدور حول احتمال الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب، أما اليوم فيبدو أن هذا الواقع قد ترسخ بالفعل"، مشيرًا إلى أنه رغم التحديات التي واجهها قطاع رأس المال الاستثماري في السنوات الأخيرة، إلا أن هذه القمة تسجل اهتمامًا متزايدًا من المستثمرين الساعين لاكتشاف شركات التكنولوجيا الصاعدة"، حيث ارتفع عدد المستثمرين المشاركين هذا الأسبوع بنسبة 27 % ليقترب من ألف مستثمر.
الأنظار على منصة "أب سكرولد"
وفي أول ظهور لافت حلّ مؤسس منصة "أب سكرولد" (UpScrolled) عصام حجازي، ضيفًا في إحدى الجلسات التي شهدها اليوم الأول من القمة، حيث أعلنت القمة أن مبيعات التذاكر شهدت طفرة كبيرة عقب الإعلان عن مشاركته، حيث حازت منصته في الفترة الماضية على اهتمام المناصرين للقضية الفلسطينية. وتحدّث حجازي عن الأسباب التي دفعته إلى تأسيس المنصة حيث أكد أن "أثبتت الشركات التقنية الكبرى خلال العامين الماضيين أنها ليست معنية فعليًا بالأخلاقيات، ومكّنت من إبادة جماعية بحق شعوب" معتبرًا أنه من خلال "التقنيات التي قدمتها لبعض الأنظمة مكّنت من قتل الناس ضمن مناطق جغرافية صغيرة جدًا، واعتقد أننا نعرف جميعًا أين يحدث ذلك، غزّة على سبيل المثال".
واعتبر أن هذه الشركات "تسعى للربح في الأساس، كما لا تهتم بسلامة مستخدميها أو رفاههم، ولا يهمها بيع بياناتهم لطرف آخر إذا كان ذلك يعني تحقيق ربح لها، ولا تهتم بصحة المستخدم العقلية أو النفسية"، مشيرًا إلى أنها "تصمم منتجات تهدف فقط إلى إبقاء المستخدم مدمنًا على استخدام المنصة طالما أن ذلك يدرّ ربحًا لها"، وخلص إلى أن المشكلة الجوهرية هي أن "هذه الشركات العالمية لا تهتم بالإنسانية بل تصنّع منتجات لتوليد المزيد من الإيرادات والربح ولا تعطي الأولوية لمصلحة الناس".
القضية الفلسطينية
ويؤكد حجازي أن منصة "أب سكرولد" أتت لتغيّر واقع منصات التواصل الاجتماعي السائدة التي تمارس عمليات الحجب والحظر، وهذا ما عانى منه حجازي شخصيًا حيث إن عملية الحظر تتم بشكل متحيّز ومنهجي بينما المنصة التي أسسها تسعى إلى تغيير هذا الأمر بشكل كامل وتمنح الجميع فرصة للحديث ويتضمن هذا الأمر القطاعات كافة وليس ما يحدث في غزة فقط.
وأوضح أن المنصة لا تملك خوارزمية كالمعتاد، وذلك جزء محوري من تصميمها ونقطة اختلافها عن بقية المنصات، لكنها تضم مزايا مختلفة لاكتشاف المحتوى الذي تقوم باختياره، لافتًا إلى أن منصته تختلف عن "بلو سكاي" (BlueSky) والمنصات الأخرى.
ويؤكد حجازي أن هناك عددًا من المستثمرين الأخلاقيين، يسعون لأن يصبحوا جزءًا من المنصة ويشاركوا في رحلة نجاحها، حيث تمكنت منصة "أب سكرولد" من تحقيق نجاح كبير دون الإنفاق على التسويق أو التعاون مع المؤثرين في أي قطاع حول العالم، وبلغ عدد مستخدميها حوالي 2.5 مليون مستخدم كما أنها تحتل المركز الأول في العديد من المتاجر الرقمية حول العالم، خصوصًا أنها مجانية بالكامل، ولأنها وفق المؤسس "ليست صيحة قد تختفي قريبًا لكنها تلبّي حاجة ملحة لدى المستخدمين".
وعن تأييد القضية الفلسطينية قال حجازي أن منصته ليست مؤيدة للقضية الفلسطينية فقط، بل مجرد منصة تمنح المستخدمين حرية الحديث عما يرغبون فيه طالما أنه لا يخالف القانون، وأكد أن شركته تملك فرقا من القانونيين والمشرعين للحفاظ على أمن المنصة للجميع. مشيرًا إلى أن هناك اجتماعات دورية ستجري مع المستخدمين للاستماع إليهم وجمع الملاحظات في محاولة لجعل المنصة أفضل وأكثر أمانًا لهم.
في المقابل تشارك في القمة مجموعة من الشركاء العالميين البارزين، من بينهم "أمازون" و"مايكروسوفت" و"تيك توك" و"آي بي إم" و"برايس ووتر هاوس كوبرز" (PwC) و"دل تكنولوجيز" و"هواوي" و"سناب شات"، إضافة إلى متحدثين بارزين من شركات "كانفا" و"فايسبوك" وغيرها، ما يعكس التزام القمة بجذب كبرى الشركات العالمية لتعزيز الابتكار وربط المشاركين بالفرص الدولية.
برنامج حافل
وتشهد قمة الويب قطر 2026، حتى يوم الأربعاء المقبل، العديد من الورش والجلسات النقاشية، والحوارات التفاعلية في 14 مسارًا، تجمع نخبة من القادة والخبراء وروّاد الأعمال من مختلف أنحاء العالم، لمناقشة أحدث التوجهات والتحديات في مجالات التقنيات المتطوّرة والابتكار، خصوصًا في مجال الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والطاقة، والصحة الرقمية، والحكومة الرقمية، والمدن الذكية والرياضة والإعلام والتقنيات الإبداعية والتكنولوجيا المالية، وريادة الأعمال والشركات الناشئة.
وسط أجواء من التفاعل الدولي، الشراكات الإستراتيجية، والتنافس الابتكاري، ترسخ قمة الويب قطر 2026 مكانتها كمنصة عالمية تجمع القادة والمستثمرين والمبدعين تحت سقف واحد، لبناء مستقبل تقني مشترك واقتصاد معرفي متسارع. عاكسة التزام قطر بدعم الابتكار وتمكين الشركات الناشئة وربطها بالمنظومة العالمية للريادة والأعمال.
