تحوّل الذكاء الاصطناعي خلال وقت قصير من مجرد أبحاث مخبرية متخصصة إلى كلمة سحرية في عالم المال والأعمال. فمنذ ظهور ChatGPT أواخر العام 2022، أجّجت منصات التواصل الاجتماعي "حُمّى الذهب" هذه عبر فيض من المحتوى الذي يروّج لنمط من الثراء السريع بمجرد إدخال أوامر نصية بسيطة.
هذا الزخم التسويقي الذي يغمر شاشاتنا يحجب خلفه قطاعاً زائفاً من المشاريع التي تقتات على مخاوف الناس من فوات قطار الثورة التكنولوجية المقبلة أو ما يُعرف بظاهرة FOMO. وتروّج هذه الخطابات لفكرة مفادها أنّ الذكاء الاصطناعي قد ألغى العوائق التقليدية أمام بناء الثروة، ما يسمح لأي شخص بتدشين مشاريع تدر آلاف الدولارات بأقل قدر من الجهد.
غير أنّ الواقع يكشف تزييفاً واسعاً، فيتبين أنّ معظم قصص النجاح ليست سوى فخاخ لبيع دورات تدريبية باهظة الثمن، في تناقض مع حقيقة أنّ هذه الأدوات أصبحت سلعاً عامة. فعندما يمتلك الجميع الزر نفسه لتوليد المحتوى بضغطة واحدة، تنخفض القيمة السوقية لهذا المنتج لتقترب من الصفر.
سيكولوجية الرجل الأخطر في الغرفة
يبرز في هذا الفضاء خطاب تسويقي يقوم في جوهره على إيهام المتلقّي بأنه سيحصل على معرفة حصريّة غير متاحة للعامة، وأنه سيكون الرجل الأخطر في الغرفة خلال ثلاثين يوماً من تعلّم الذكاء الاصطناعي. يصوّر هذا الخطاب الذكاء الاصطناعي كبوّابة لامتلاك قوّة خفيّة تمنح صاحبها أفضليّة مطلقة على أقرانه، وهو تضليل متعمّد يستهدف بشكل مباشر من هم فوق الأربعين من العمر، ويشكّل جوهر نموذج هذه الأعمال القائمة على بيع دورات باهظة الثمن، فيما هي في الحقيقة أدوات متاحة للجميع مجاناً أو بأسعار زهيدة ولا تتطلّب سوى قدراً بسيطاً من البحث والتعلّم الذاتي.
يعمد هؤلاء "الخبراء العصاميون" إلى استخدام مصطلحات رنّانة وإظهار مظاهر الثراء الفاحش لإضفاء مصداقيّة وهميّة على وعودهم، مستغلّين رغبة الناس في اتّباع طريق مختصر نحو النجاح. فيصبح شراء الوهم هو السبيل الوحيد للدخول إلى نادي النخبة التي تزعم فهم خبايا الخوارزميّات. هذا النمط من التسويق لا يغذّي سوى "ثقافة الهرولة" (Hustle Culture) التي تحثّ الأفراد على القفز نحو كل "ترند" جديد من دون دراية أو فهم حقيقي للسياق أو القيمة.
أغلفة بلا خنادق
على الضفّة الأخرى من هذا الصخب التسويقي، يبرز جانب آخر في قطاع الأعمال يعتمد على تغليف النماذج الجاهزة. هذه الشركات الناشئة لا تقدّم أي ابتكار حقيقي، بل تكتفي بوضع واجهة مستخدم أنيقة فوق نماذج ذكاء اصطناعي جاهزة مملوكة لشركات عملاقة. تكمن المعضلة هنا في غياب الخندق التنافسي، إذ يمكن لأي شخص يمتلك حاسوباً محمولاً واشتراكاً بسيطاً تأسيس شركة ناشئة من هذا النوع في عطلة نهاية أسبوع واحدة.
هذه المشاريع مبنيّة على هيكليّة معطوبة، فمع كل تحديث تطلقه الشركات الأم مثل "أوبن إيه آي" أو "غوغل" تبتلع تطبيقاتها الأصليّة الميزات التي كانت الشركات الناشئة تتقاضى أموالاً مقابلها، فتتبخّر القيمة السوقيّة لشركة التغليف في لحظات. لقد استوعب المستثمرون هذه المخاطر سريعاً، حيث انخفض متوسّط الجولات التمويلية لهذه الشركات بنسبة 50 في المئة مع مطلع عام 2025. وتوجّهت السيولة نحو الشركات التي تمتلك القدرة على صهر الذكاء الاصطناعي داخل آليّات العمل المعقّدة وربطه ببيانات حصريّة.
الخوارزميّة أداة إنتاج
في مقابل هذه الفقاعة، تظهر الأعمال الحقيقيّة التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة لحلّ مشكلات معقّدة وذات قيمة عالية، لا كمنتج في حدّ ذاته. تكمن القيمة الحقيقيّة في عمق دمج التقنية داخل آليّات العمل، واستخدام البيانات الحصريّة، والخبرة المتخصّصة في كل قطاع.
فعلى سبيل المثال، يحقّق قطاع الرعاية الصحيّة عوائد ملموسة، إذ تفيد المستشفيات بتحقيق عائداً قدره 3.20 دولار مقابل كل دولار مستثمراً في الذكاء الاصطناعي، مع فترات استرداد للتكاليف لا تتجاوز 14 شهراً. وتتجلّى هذه الفائدة في أتمتة الوثائق السريرية التي توفّر ما يصل إلى 400 ساعة سنوياً لكل ممرّضة، وفي أنظمة التشخيص الإشعاعي التي حقّقت دقّة تصل إلى 94 في المئة في اكتشاف أمراض العيون، متفوّقة على الفنيّين البشريّين.
ويمتد هذا الأثر الصناعي إلى قطاع اللوجستيات، حيث تُستخدم التقنية لإدارة التعقيدات التي تتجاوز القدرات البشريّة، من خلال الصيانة التنبّؤية القائمة على "إنترنت الأشياء" (IoT) والتسعير الديناميكي، وأتمتة التفاوض مع المورّدين، مما قلّل التكاليف اللوجستية بنسبة تصل إلى 28 في المئة في العام الأول.
وفي القطاع المالي، تبرز أهمّية الأنظمة التي تعمل في بيئات منعزلة أو أوفلاين لضمان أقصى درجات الأمن، إذ تستخدم بعض البنوك خوارزميّات تحليل المعاملات في الوقت الفعلي لاكتشاف أنماط الاحتيال غير المرئيّة، مع الحفاظ على سيادة البيانات بعيداً عن السحب الإلكترونيّة العامة.
الذكاء الاصطناعي للغة الضاد
عند الحديث عن المنطقة العربية، نجد أنّ التحديات والفرص تأخذ طابعاً فريداً. فرغم أنّ دول الخليج تتصدّر معدّلات التبنّي العالمية، حيث يستخدم نحو 60 في المئة من البالغين في الإمارات أدوات الذكاء الاصطناعي، إلا أنّ هناك فجوة رقميّة عميقة تفصل بين الشركات الكبرى والمؤسّسات الصغيرة والمتوسطة. تواجه هذه المؤسّسات عقبات تتمثّل في محدوديّة الوصول إلى التمويل، وضعف البنية التحتية الرقميّة في المناطق غير الحضرية، والتشريعات المتعلقة بخصوصيّة البيانات بين الدول المختلفة. ويبقى التحدّي الأكبر في المنطقة هو الفجوة اللغوية والثقافية. فاللغة العربية لا تمثّل سوى أقل من 1 في المئة من البيانات المستخدمة في تدريب النماذج اللغوية العالمية. هذا النقص يعني أنّ النماذج تفتقر لفهم تعقيد اللغة، وتفشل في التمييز بين أكثر من 30 لهجة محلية، أو تقدّم استجابات بعيدة عن الواقع الثقافي والاجتماعي للمنطقة.
هنا تكمن الفرصة الذهبية للشركات الناشئة الإقليمية في بناء "الذكاء الاصطناعي للغة الضاد" المتمركز حول اللغة والثقافة العربية، أي تطوير نماذج مدرّبة محلياً تفهم السياق العربي وتلتزم بالقوانين المحلية للبيانات. هذا التوجّه لا يهدف فقط إلى الاستقلال التقني، بل إلى صون التنوع الحضاري وضمان ألّا تُهمّش الأصوات العربية في خوارزميّات صُمّمت بوعي لغوي مختلف تماماً. وقد بدأت ملامح هذا الذكاء المحلّي تتجسّد بالفعل في نماذج رائدة مثل "فالكون" (Falcon) و "جيس" (Jais) في الإمارات، ونموذج "علام" (ALLaM) في السعودية، ونموذج "برونويا" (Pronoia) المصمّم لتقديم فهم دقيق وسياقي للغة العربية في المجالات التجارية والقانونية والعلمية.
هندسة الاستدامة
لكي تبني شركة ذكاء اصطناعي حقيقيّة في هذا المناخ، يجب عليك التوقّف عن التركيز على سحر التقنية والبدء في التركيز على ديناميات الصناعة التي تعتمد على خدماتك. البداية الصحيحة تكون دائماً من نقطة إيجاد حلّ لمشكلة عمل حقيقيّة. فالعائد على الاستثمار لا يتحقّق إلا إذا كانت كلفة تشغيل الذكاء الاصطناعي أكبر ممّا يوفّره من تقليل للتكاليف أو انخفاض في الأخطاء. والنجاح في هذا العصر الجديد لا يُقاس بجمال الواجهة، بل بعمق التكامل. والاستثمار الحقيقي يتطلّب التركيز على "هندسة السياق"، وهو ما يتجاوز كتابة الكود البرمجي ليشمل تكامل الأنظمة مع البرمجيات الحالية للعملاء، وتدريب الموظّفين على كيفية التفاعل مع الأنظمة المؤتمتة، وإدارة التغيير الثقافي داخل المؤسّسات لضمان تبنّي التقنية بفعاليّة واستدامة.
الشركات التي ستنجح وتصمد هي التي تبني خطوط بيانات قويّة وتستخدم تقنيات مثل توليد الاسترجاع المعزّز (RAG) لربط النماذج ببيانات موثوقة وحصريّة، مما يخلق ميزة تنافسية لا يمكن للنماذج العالمية تكرارها بسهولة. هذا التحوّل من هندسة الأوامر إلى هندسة السياق هو ما سيفصل بين المشاريع التي تنتهي صلاحيتها مع أول تحديث برمجي من الشركات الكبرى، وبين الأنظمة التي تصبح جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية لعمليات العملاء. فالمستقبل ينتمي لأولئك الذين يدركون أنّ الذكاء الاصطناعي وسيلة لزيادة الإنتاجيّة لا مجرّد غاية في حدّ ذاتها، وأنّ القيمة الحقيقيّة تُبنى بالعمل المضني على جودة البيانات ودقّة المخرجات لا بالوعود السحرية الزائفة.
يبدو أنّ "حُمّى الذهب" في الذكاء الاصطناعي تمر حالياً بمرحلة شفاء ضرورية. إنّ عصر الأموال السهلة القائم على التغليف البسيط والخطاب التسويقي المبتذل يقترب من نهايته. الفائزون الحقيقيون في هذه المرحلة هم أولئك الذي يقومون بتحديث الأنظمة القائمة وتوطين التقنية لتلائم الواقع المعقّد.
