لا يبدأ الجوع بصراخٍ أو احتجاج، ولا يُعلن عن نفسه دفعة واحدة. يبدأ بصمتٍ صغير يكبر تدريجياً: بتقليص وجبة، بتأجيل شراء دواء، بإقناع طفلٍ بأن النوم المبكر أفضل من السؤال.
في ريف القرداحة، لا أحد يصرخ. الجوع هنا لا يُرى بسهولة، ولا يُسمع له صوت، بل يتسلّل بهدوء إلى البيوت، يستقرّ في تفاصيلها اليومية، ويجلس إلى جانب العائلات كما لو أنّه فرد إضافي لا يمكن الاستغناء عنه ولا التخلّص منه.
مع الوقت، يتعلّم الناس التكيّف معه. تُعاد ترتيب الأولويات، تُقسَّم الأرغفة، وتُؤجَّل الحاجة تلو الأخرى. يصبح الامتناع عن الطعام قراراً غير معلن، وتتحوّل القدرة على الاحتمال إلى مهارة مكتسبة. هكذا تُدار المجاعة بصمت، من دون طوابير، ومن دون مشاهد فوضى، ومن دون كاميرات.
في أحد أيام الشتاء القاسية، تقول أم محمد لـ"المدن" إنها لم تطبخ. لم يكن السبب ضيق الوقت أو التعب، بل فراغ المطبخ نفسه. "أخاف على أطفالي من الجوع"، تقولها بهدوء، من دون دموع. فالبكاء، كما تشرح، يحتاج طاقة إضافية، وهي بالكاد تملك ما يكفي للبقاء واقفة. كانت تعتمد على راتب والدها الذي مات قبل سنوات في الحرب، راتب شكّل موردها الوحيد بعد غياب المعيل. لكن الراتب انقطع فجأة، من دون تفسير أو بديل.
بعده، نفد الطحين تدريجياً، ثم بدأ الخبز يغيب عن القرية يوماً بعد يوم، إلى أن انقطع تماماً. لم يكن الانقطاع صاخباً، بل جاء على شكل فراغ متراكم، كأن شيئاً ما يُسحب ببطء من الحياة اليومية. بقي البيت قائماً، وبقي الأطفال، لكن الأساس الذي كان يمنح الأيام حدّها الأدنى من الاستقرار اختفى، تاركاً العائلة واقفة على حافة نقص لا يُسمّى، لكنه يُعاش كل يوم.
مشهد يومي
في قرى ريف القرداحة، لم يعد الجوع حالة طارئة أو أزمة عابرة، بل تحوّل إلى مشهد يومي يتكرر بصيغ مختلفة. الوجبة الواحدة باتت القاعدة لا الاستثناء، وتوقيتها يخضع لما يتوفر لا لما يحتاجه الجسد. بعض العائلات تقسم الخبز اليابس على يومين، تكسره بعناية وتعيد توزيعه كما لو أنه مورد نادر. عائلات أخرى تعيش على ما تبقّى من مخزون القمح الذي خُزّن للشتاء، مخزون كان يُفترض أن يكفي أشهر البرد، لكنه بدأ ينفد تحت ضغط الحاجة وغياب أي بديل.
وهكذا تغيّرت العادات الصغيرة التي كانت تبدو بديهية. الأطفال يذهبون إلى النوم مبكراً، لا لأنهم شبعوا أو تعبوا، بل لأن النوم بات وسيلة لإسكات المعدة. تتعلّم الأمهات هذه الحيلة بصمت، وتعيد استخدامها كل مساء، محاولةً عبور الليل بأقل خسائر ممكنة. الجوع هنا لا يُواجه بالطعام، بل بالتأجيل، وبإدارة النقص يوماً بيوم.
لا تُرى المجاعة في ريف القرداحة كما تُرى في الصور النمطية المتداولة. لا هياكل عظمية في الطرقات، ولا صراخ جماعي، ولا مشاهد فوضى. ما يحدث أقرب إلى تآكل بطيء للحياة اليومية، مجاعة هادئة ومتدرجة، بلا بيانات رسمية، لكنها حاضرة في تفاصيل صغيرة: في صحن فارغ، في طفل خامل، وفي بيوت تُدار فيها الأيام على قاعدة السؤال نفسه: ماذا يمكن أن نؤجّل اليوم؟
الجوع المنظّم
قبل سنوات، لم يكن الجوع متروكاً بالكامل. كان يُدار في طقس أسبوعي شبه ثابت، كان يسار الأسد، ابن عم الرئيس المخلوع، يمرّ بسيارته الفارهة على القرى البعيدة. يقف الناس على جانبي الطريق الترابي، ينتظرون بصمت. يرمي لكل واحد عشرين ألف ليرة سورية، ثم يرحل من دون أن ينظر خلفه.
لم يكن المبلغ كافياً، ولا قريباً من الكفاية، لكنه كان يؤدّي وظيفة محددة: إبقاء الناس على قيد الانتظار. صدقة صغيرة تمنع الانفجار، وتُبقي الجوع ضمن حدود يمكن السيطرة عليها. لم تكن مساعدة بقدر ما كانت أداة إدارة، تؤجّل السؤال ولا تجيب عنه.
اليوم، لا سيارة تمرّ، ولا نافذة تُفتح، ولا مال يُرمى. اختفى الوسيط، وبقي الجوع وحده، بلا إدارة، بلا سقف، وبلا حتى وهم العناية.
تعيش معظم هذه العائلات في بيوت غير مكتملة: جدران إسمنتية عارية، أسقف من صفائح معدنية، نوافذ بلا زجاج أو بألواح مكسورة. هذه البيوت بالكاد تحمي من البرد، لكنها أقل قدرة على حماية أهلها من الجوع.
حين يبرد الجسد، يمكن تغطيته ببطانية إضافية. أمّا حين تجوع المعدة، فلا شيء يسدّها. تقول امرأة مسنّة إن البرد لم يعد المشكلة الأساسية. "الجوع لا يُدفّأ"، تقولها كحقيقة اكتشفتها متأخرة، بعد أن أعادت ترتيب مخاوفها. في هذا المكان، لم تعد الأولوية للوقاية من الشتاء، بل لمحاولة البقاء حتى نهايته.
في ظل القصور
تقع القرداحة على جبال ترتفع قرابة تسعمئة متر عن سطح البحر. طبيعة قاسية، شتاء طويل، وزراعة محدودة تفرض إيقاعها على حياة الناس.
على مدى عقود، سكن الفقراء عند سفوح الجبال، بينما ارتفعت قصور آل الأسد فوقهم. لم يكن الفارق في الارتفاع جغرافياً فقط، بل حياتياً. في الأعلى، وفرة ومساحات وموارد. في الأسفل، انتظار دائم لما قد يأتي ولا يأتي.
لم يكن أهل الريف غرباء عن القصور، لكنهم لم يكونوا منها. عرفوها من الخارج، من الأسوار العالية، من الحراسة المشددة، ومن الخوف الذي كان يرافق مجرد الاقتراب. كانت القصور حاضرة في المشهد، لكنها بعيدة عن الحياة... قصور العائلة الحاكمة التي حتى اذاً دخلوها كان مقابل العمل بأجر زهيد وهم اللذين لم يعرفوا يوماً سوى زراعة التبغ النبتة الوحيدة التي تنمو في الجو البارد. محصول واحد، موسم واحد، ودخل واحد لا غير.
يبدأ العمل باكراً مع الزرع، ثم القطاف، فالشكّ، فالتجفيف. عمل يدوي شاق تشارك فيه العائلة كلها، من دون آلات، ومن دون ضمانات. في نهاية الموسم، يُباع المحصول للدولة بسعر ثابت لا يتغيّر، لا يراعي تعب السنة ولا ارتفاع تكاليف المعيشة. خمسة وعشرون ألف ليرة سورية، مقابل أشهر من العمل المتواصل.
اليوم، لا يكفي هذا المبلغ لشراء دواء بسيط، ولا لإجراء تحليل طبي، ولا لإطعام عائلة لأيام. هكذا تحوّل الاقتصاد المحلي من مصدر رزق محدود إلى عبء إضافي على من يعتمدون عليه.
يقول أبو ماهر إنه لم يُجرِ تحليلاً طبياً لأن تكلفته بلغت أربعمئة ألف ليرة. "اخترت أن أبقى مريضاً"، يقولها بلا مرارة، كمن يشرح خياراً منطقياً في معادلة قاسية.
في قرية مجاورة، توفيت أم سليمان. كانت تعاني من ضغط الدم، ولم تتمكن من شراء الدواء لأشهر متتالية. ماتت بهدوء، كما تموت المجاعة: بلا ضجيج، وبلا إعلان. فالمرض هنا لم يعد مسألة صحية بحتة، بل قضية اقتصادية بامتياز. من يملك المال يعيش. من لا يملكه، ينتظر ما سيحدث لجسده.
لم تكن الحرائق وحدها ما طال قرى القرداحة من أطماع العائلة الحاكمة، التي تصرّفت، وفق توصيف شائع بين الأهالي، كمن "يقتل القتيل ويمشي في جنازته". ففي كل مرة كانت النيران تمتدّ إلى القرى المحاذية للأراضي الحرجية والزراعية، كانت الأمانة السورية للتنمية تحضر بوصفها جهة إغاثية، مرسلة فرقها لمساعدة العائلات المتضررة، في مشهد إنساني بدا للوهلة الأولى استجابة طبيعية لكارثة متكررة.
غير أن هذا الحضور، كما يروي سكان المنطقة، لم يكن بريئاً ولا منفصلاً عن سياق أوسع. فهذه التدخلات، التي أشرفت عليها أسماء الأسد، كانت تترافق مع ضغوط غير معلنة على الأهالي لدفعهم إلى بيع أراضيهم التي التهمتها الحرائق أو باتت مهددة بها. حرائق موسمية تتكرر، يليها إنهاك اقتصادي، ثم عروض شراء بأثمان متدنية، في دورة تكاد تكون ثابتة الهدف والنتيجة.
يقول أبو مهند، وهو من سكان ريف اللاذقية، إن "أغلب الأراضي التي احترقت سابقًا في الشريط الساحلي تعود اليوم إلى أسماء الأسد، وقد جرى شراؤها عبر وسطاء، بعد أن فقد أصحابها القدرة على ترميمها أو الاستفادة منها". ويضيف أن وكلاء مرتبطين بالأمانة، إلى جانب وسطاء آخرين يُشار إلى ارتباطهم بجهات إيرانية، كانوا يتولّون إتمام عمليات الشراء بأبخس الأسعار، مستفيدين من حالة العجز التي وُضع فيها المالكون الأصليون.
ولا يقتصر الأمر، وفق روايات الأهالي، على الإغراءات المالية وحدها. إذ يؤكد أبو مهند أن عائلات امتنعت عن البيع تعرّضت لاحقًا لضغوط مباشرة وغير مباشرة. ويشير إلى حالة رفض فيها بيع نحو أربعمئة دونم من الأراضي، لتبدأ بعدها سلسلة من التهديدات المبطّنة، التي جعلت خيار الصمود مكلفًا إلى حدّ لا يحتمله كثيرون.
في هذا السياق، لم تعد الحرائق تُقرأ بوصفها كوارث طبيعية فحسب، بل كجزء من آلية أوسع لإعادة رسم الملكيات في الساحل السوري. آلية تبدأ بالنار، وتمرّ بالإغاثة، وتنتهي بتغيير الخريطة العقارية، فيما يبقى الأهالي، مرة أخرى، الخاسر الوحيد في معادلة تُدار من فوقهم وبعيدًا عن إرادتهم.
الحرية بلا خبز
بعد سقوط النظام في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 دخل سكان الريف القصور. رأوا ما لم يعرفوه من قبل: ثراء فاحش، أنماط حياة بعيدة تماماً عن واقعهم، وعالماً موازياً ظل مغلقاً لعقود.
لكن هذا الاكتشاف، مهما كان صادماً، لم يُشبع أحداً.
في الوقت نفسه، سُرّح آلاف الشبان من الجيش، وانقطعت رواتبهم دفعة واحدة. عادوا إلى قراهم بلا عمل، بلا دخل، وبلا بدائل. بعضهم خرج حديثاً من السجون بعد تسوية جردته من عمله، خرجوا أحياء، لكن من دون حياة واضحة المعالم... فوجدوا في قطاف الغار وبيعه مقابل 100 ليرة للكيلو الواحد باب رزق لا يقي من جوع لكنهم منعوا منه.
حتى المازوت، الذي كان يصل سابقاً بطرق ملتوية، انقطع. توقفت الأفران، وتراجعت قدرة المشافي الحكومية على العمل. كل شيء يعمل بنصف طاقته، أو لا يعمل.
يشكّل العلويون النسبة الأكبر من سكان ريف القرداحة، لكن الجوع لا يسأل عن الطائفة.
استُخدم الانتماء طويلاً كذريعة، وكدرع للسلطة. اليوم، سقط الدرع، وبقي الجسد مكشوفاً.
لم يكن الفقراء شركاء في الثروة ولا في القرار. كانوا وقوداً لمعادلات أكبر منهم. واليوم، هم جياع فقط.
اليوم ما يجري في ريف القرداحة لا يُسمّى رسمياً مجاعة. لا بيانات، لا إعلانات، ولا صور أقمار صناعية. لكن الناس يعرفون الاسم، ويستخدمونه في حياتهم اليومية. يسمّونه بما يعيشونه فعلاً: قلة، نقص، جوع.
بعد سقوط القصور، من يسقط الجوع؟ من يعيد تعريف معنى العيش في الريف؟
ومن يقرّر أن حياة الناس ليست تفصيلاً مؤجلاً؟ في ريف القرداحة، لم يعد السؤال سياسياً. السؤال بسيط، وقاسٍ: ماذا سنأكل غداً؟
