يتطلب النمو المتسارع للذكاء الاصطناعي مراكز بيانات فائقة القدرة ينتج عنها كميات هائلة من الحرارة تُبدد في البيئة ولا يستفاد منها. لكن هذا المشهد بدأ ينقلب مع اعتماد نهج يُحوّل فائض حرارة مركز البيانات إلى نظام التدفئة المركزية، وهو عبارة عن شبكة من الأنابيب المعزولة تمتد من مركز البيانات وتتوزع على مبانٍ عدة في المدن والقرى المجاورة. وانتقلت دول عدّة وبعض شركات التكنولوجيا لابتكارات تحويل ما كان يعتبر عبئاً في السابق، أي الكميات الهائلة من الحرارة التي تنتجها الخوادم، إلى ميزةٍ لتدفئة المنازل.
الاستفادة من مراكز البيانات
بسبب طبيعة الديناميكا الحرارية، يتحول كل "جول" (وحدة قياس) تقريباً من الطاقة التي تُضخ عبر الحاسوب إلى حرارة بشكلٍ أو بآخر. صحيح أن كمية الحرارة التي تولدها الحواسيب الشخصية ضئيلة نسبياً وبالكاد تكفي لتدفئة يديك إلاّ أن صفوف الخوادم التي تشكل مركز البيانات تولد حرارة عالية تحتاج إلى إجراء مكلفة للتبريد، وهي كافية لتعطينا إنجازاً هندسياً كبيراً يتجسد بتدفئة المنازل.
تنتج مراكز البيانات كميات كبيرة من الحرارة، وللأسف غالباً ما كانت تتبدد هذه الطاقة الحرارية في الهواء، لكن المفارقة اليوم قيام مراكز البيانات المبتكرة بإعادة استخدام الحرارة في أنظمة الطاقة المركزية، وهي عبارة عن شبكات تحت الأرض من الأنابيب المعزولة التي توفر الماء الساخن والبخار والماء المبرد لعددٍ ضخم من المباني المجاورة.
وهكذا وبدلاً من حرق الوقود لتوليد هذه الحرارة، تُستخدم الحرارة المنبعثة من مراكز البيانات أثناء معالجة البيانات، أو الذكاء الاصطناعي، أو البث المباشر في أنظمة التدفئة المركزية، ويتطلب التوصيل الحراري مسافة قصيرة بين الخوادم والمنازل المستفيدة، حيث يُعدّ نقل الحرارة لمسافات طويلة مكلفاً ويقلل من كفاءتها.
وإضافة إلى مدّ الأنابيب، تُستخدم محطات التبادل الحراري ومضخات الحرارة لتكييف درجة الحرارة مع احتياجات المنازل. وتقلل إعادة استخدام الحرارة من الاعتماد على مصادر التدفئة الأخرى، ما يخفض الانبعاثات في المناطق الباردة. كما تساعد على استقرار التكاليف، إذ تحوّل ناتجاً ثانوياً لا مفر منه للنشاط الرقمي إلى عاملٍ مفيد.
أنظمة الطاقة المركزية
في معظم الحالات، ترتبط مراكز البيانات بأنظمة الطاقة المركزية القائمة في المناطق الحضرية. مع ذلك، بدأ بعض واضعي السياسات في الدول المتقدمة بالتفكير في إنشاء أنظمة طاقة مركزية جديدة في مناطق التوسع الكثيف لمراكز البيانات.
وهناك نوعان من مراكز البيانات يتوافقان بشكلٍ خاص مع الطاقة المركزية وأنظمة التوليد المشترك للحرارة والطاقة. فهناك مراكز البيانات الحضرية الصغيرة التي يتراوح استهلاكها للطاقة بين 10 و20 ميغاواط، وتقع في المدن، وغالباً ما تخدم العديد من مستخدمي البيانات المحليين.
وهناك مراكز البيانات الضخمة فائقة التوسع، التي يبدأ استهلاكها للطاقة من 100 ميغاواط ويصل إلى 1 غيغاواط، وهي تُبنى في مواقع نائية لخدمة مستخدم واحد، ما يتطلب إمدادات طاقة قوية وموثوقة. ويمكن لنظام التوليد المشترك للحرارة والطاقة، الذي يضم توربيناً غازياً ووحدة تخزين طاقة حرارية ومبرد امتصاص، أن يعمل كنظام طاقة مركزية لمركز بيانات كبير أو مجموعة من مراكز البيانات.
دول في الطليعة
تمتلك الولايات المتحدة أكبر عدد من مراكز البيانات في العالم بلغ عددها حداً دفع إدارة معلومات الطاقة الأميركية مؤخراً إلى الإعلان عن أن هذه المرافق سترفع استهلاك البلاد من الكهرباء إلى مستويات قياسية هذا العام. مع ذلك، لا تُعدّ الولايات المتحدة في طليعة الدول التي تبنّت تقنية استغلال الحرارة المهدرة من مراكز البيانات، لا بل إن أوروبا، ولا سيما دول الشمال فيها، هي الرائدة في هذا المجال.
مبادرات واقعية
في السويد، تُنفذ اليوم مبادرة "مجمعات بيانات ستوكهولم" بالشراكة مع قادة سياسيين وصناعيين لتدفئة منازل السكان باستخدام الحرارة المهدرة الناتجة عن مراكز البيانات في المدينة. والهدف هو إدارة قطاع مراكز البيانات دون هدر أي حرارة على الإطلاق. وفي فنلندا المجاورة، أنشأت شركة "نيبيوس" مركز بيانات مستداماً في مانتسالا، يستعيد حوالي 20 ألف ميغاواط/ساعة من الطاقة سنوياً، تكفي لتدفئة ما يعادل 2,500 منزل فنلندي. وبالقرب من العاصمة الفنلندية هلسنكي، تواصل شركة "مايكروسوفت" الأميركية بالشراكة مع السلطات الفنلندية بناء "منطقة مراكز بيانات" متكاملة، والتي تُعدّ، حسب الشركة، "أكبر مشروع في العالم لإعادة تدوير الحرارة المهدرة من مراكز البيانات". وبمجرد اكتمالها، يُتوقع أن تُدفئ مدينة إسبو، ثاني أكبر مدن فنلندا، إضافة إلى بلدتين مجاورتين.
في أماكن أخرى في أوروبا، وفّر مشروع "تالاغت" للتدفئة المركزية في أيرلندا 1100 طن من ثاني أكسيد الكربون في عامه الأول من التشغيل، وذلك من خلال إعادة توجيه الحرارة المهدرة من مركز بيانات "أمازون" القريب إلى المباني المحلية. وفي المملكة المتحدة، أعلن عمدة لندن مؤخراً عن خطط لإنشاء شبكة تدفئة مركزية جديدة في غرب المدينة، يُتوقع أن تُدفئ أكثر من 9000 منزل عبر مراكز البيانات المحلية.
شركات تقود الابتكار
من بين أحدث الشركات التي بدأت باستخدام الحرارة المعاد تدويرها هي شركة "ميتا"، التي تستخدم الحرارة المهدرة لتدفئة المنازل المجاورة في مدينة أودنسه بالدنمارك. وتزعم الشركة أن خوادمها ستكون قادرة على تدفئة نحو 6900 منزل في المنطقة. وتتبنى شركتان أخريان على الأقل، تمتلكان مراكز بيانات في الدنمارك، استراتيجيات مماثلة. فشركة الأزياء السريعة "إتش آند إم" توزع الحرارة المهدرة على المنازل المجاورة منذ عام 2013، ولديها خطط لبناء مركز بيانات جديد بقدرة 1 ميغاواط، قادر على تدفئة ما يصل إلى 2500 شقة عند التشغيل الكامل. كما تُنشئ شركة "آبل" الأميركية مركز بيانات في البلاد، وتخطط لتشغيله بالكامل باستخدام الطاقة المتجددة، واستخدام الحرارة المهدرة لتدفئة مباني المكاتب المجاورة.
وتتعاون شركة "إكينيكس" الأميركية والتي تدير 260 مركز بيانات، مع شركات الطاقة المركزية لتصدير الحرارة بهدف تحقيق أهدافها في مجال الطاقة والاستدامة، لا سيما في أوروبا وكندا. ويشارك أحد مراكز بيانات الشركة إياها في نظام طاقة مركزية مبتكر في مقاطعة أونتاريو الكندية، والذي كان يعتمد في الأصل على المياه المبردة ونظام التبريد والطاقة الاحتياطية، وبات يسهم في تدفئة المباني السكنية المجاورة، وحرم جامعي، ومدرستين ثانويتين، ومسبحين في مراكز مجتمعية محلية.
وفي مقاطعة تورنتو أيضاً، تشغل شركة الطاقة الكندية "إنويف" نظاماً مبتكراً للطاقة المركزية يخدم مركزي بيانات "تيليهاوس كندا". تستفيد "إنويف" من الحرارة المهدرة من هذين المركزين لتوفير تدفئة خضراء (حلول تدفئة منخفضة الكربون) للعملاء، بينما توفر "تيليهاوس" في استهلاك المياه والكهرباء والبنية التحتية، بما يتماشى مع أهدافها في مجال الاستدامة، مع تحقيق فائض كبير في أنظمة التبريد.
إلى ذلك تقوم شركة "تيليسيتي" في العاصمة الفرنسية باريس بتدفئة مشتلها الخاص بتغير المناخ، والذي يسعى إلى محاكاة الظروف المناخية المتوقعة في فرنسا بحلول عام 2050. كما يقوم مركز بيانات تابع لشركة "آي بي إم" في سويسرا بتدفئة مسبح عام مجاور.
الفوائد البيئية والاجتماعية
مع أن إعادة توجيه الحرارة المهدرة من مراكز البيانات ليست حلاً سحرياً، إلا أنها خطوة هامة للدول في ظل التطور الهائل للذكاء الاصطناعي. في أحد السيناريوهات المستقبلية، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تستهلك مراكز البيانات 3 في المئة من الطلب العالمي على الكهرباء بحلول عام 2030، ما يجعل التحدي قائماً لتحقيق التوازن بين فوائد الذكاء الاصطناعي وآثاره الجانبية على المناخ.
ويوفر استغلال الحرارة المهدرة سلسلة من المزايا ذات التأثير المباشر على البيئة والحياة الحضرية، فيقلل من استخدام الوقود الأحفوري للتدفئة ويخفض البصمة الكربونية المحلية، ويحوّل الحرارة المهدرة إلى مورد، وهذا مما يجنّب الخسائر ويُحسّن أداء مراكز البيانات.
وتتيح الحرارة الناتجة عن مراكز البيانات للمنازل والمباني المتصلة بالشبكة مصدر حرارة ثابتاً أقل اعتماداً على تقلبات سوق الطاقة. فيما تندمج هذه المشاريع في خطط خفض الانبعاثات الكربونية الإقليمية وتعزز أشكال التدفئة الحضرية الجديدة.
