منذ ثلاث سنوات، لم تُجرَ امتحانات الشهادة المتوسطة في لبنان بفعل أزمات متراكمة. ومع كل عام دراسي، يعود السؤال: هل تعود «البريفيه»، أم تُلغى ويُستعاض عنها بتقييم مدرسي؟ وقد تحوّل هذا السؤال إلى محور انقسام تربوي وسياسي واجتماعي، بين من يرى في الامتحان الرسمي ضمانة للعدالة والمعيارية وهيبة الدولة، ومن يعتبره أداة تقويم متقادمة، عاجزة عن قياس ما يُفترض أن تقيسه.
في ظل تريّث وزارة التربية بانتظار «دراسات معمّقة»، وطرح اقتراحات قوانين نيابية حول مصير الشهادة، تبدو الإشكالية أعمق من مجرّد خيار «إلغاء أو إبقاء» الامتحان، إذ تتبدّى كأزمة في فلسفة التعليم والتقييم ضمن نظام تربوي مأزوم.
عتبة انتقال
تاريخيًا، أدّت الشهادة المتوسطة وظيفة «معيار الدولة»، وشكّلت عتبة انتقال بين التعليم الأساسي والثانوي لضبط حدٍّ أدنى من الكفايات المعرفية لدى المتعلمين. غير أنّ صلاحية أي أداة تقويمية لا تُقاس بتاريخها أو رمزيتها، بل بقدرتها على أداء وظيفتها في سياقها الراهن. وقد أضعفت الأزمات المتلاحقة قدرة الامتحان الموحّد على أداء هذه الوظيفة. فالامتحان الذي يفترض المساواة بين المتعلمين يُجرى اليوم في سياق يفتقد شروط التكافؤ، ما يفقد أداة التقييم صلاحيتها، إذ تعجز عن قياس ما تدّعي قياسه. فالعدالة التقويمية لا تقوم على توحيد الأسئلة فحسب، بل على توحيد فرص التعلّم التي تسبقها، وهو شرط مفقود اليوم.
تُظهر نظريات التقويم التربوي، ولا سيما مفهوم الأثر الارتدادي(Washback Effect) ، أنّ الامتحانات عالية المخاطر لا تقيس التعلّم فحسب، بل تُعيد تشكيله. فعندما يصبح الامتحان غاية، تتحوّل العملية التعليمية إلى تدريب عليه، وتُهمَّش الأنشطة والمهارات العليا، ويُعاد إنتاج ما سمّاه باولو فرير «التعلّم البنكي»، حيث يُختزل المتعلّم في مخزن للمعلومات. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الشهادة المتوسطة عن أنماط التدريس السائدة في صفوفها: تعليم موجّه نحو "الدورات" للحفظ والاسترجاع، وزن محدود لمستويات التفكير العليا في صنّافة بلوم (التحليل، التركيب، التقويم)، وتراجع للتعلّم القائم على الفهم وحلّ المشكلات. هذه ليست عيوبًا عرضية، بل نتائج بنيوية لامتحان يُكافئ الإجابة الصحيحة أكثر مما يُكافئ التفكير. وهنا تزداد الإشكالية حدّة: إذا كان هذا الأثر العكسيّ قائمًا في ظروف الاستقرار النسبي، فكيف يكون في ظل أزمات متراكمة وفجوات تعلّم عميقة؟ لذا لا تنطلق حجج الإلغاء من رفض التقييم، بل من إعادة تعريف معناه ووظيفته، إذ لا يستهدف النقد القياس بحد ذاته، بل نموذج القياس حين يتحوّل إلى أداة إقصاء وضغط وتشويه للتعلّم.
مقاربات التقويم
تنطلق مقاربات التقويم البنائي والتقويم من أجل التعلّم من فرضية أساسية مفادها أنّ التقييم عملية مستمرة لدعم التعلّم، لا لحظة حكم نهائية. في هذا النموذج، يُقاس التعلّم بما يقدر المتعلّم على فهمه وتطبيقه وتوظيفه في مواقف حياتية معقّدة، لا بما يسترجعه في لحظة امتحان. ويُسقط هذا التحوّل المفاهيمي مركزية الامتحانات الرسمية عالية المخاطر بصيغتها التقليدية، التي تختزل مسارًا تعليميًا طويلًا في أيام قليلة، وتحّول التقييم من أداة دعم إلى أداة فرز. فالامتحان يبقى أسير قياس نواتج معرفية جزئية، ويعجز عن التقاط الكفايات المركّبة، كالتفكير النقدي وحلّ المشكلات والتواصل والعمل التعاوني. كما أنّ الإصرار على إجراء امتحان رسمي في ظل مناهج قديمة يعود تاريخها إلى 1997 لا يحفظ معيار التقييم، بقدر ما يكرّس انفصالًا بين ما نُدرّسه، وما نُقيّمه، وما ندّعي أننا نريده من التعليم.
من الزاوية الفلسفية، تقدّم نظرية العدالة عند "أمارتيا سن" مدخلًا حاسمًا للنقاش، إذ لا تُقاس العدالة بالمساواة الشكلية في القواعد، بل بقدرة الأفراد الفعلية على الاستفادة من الفرص المتاحة. ويكشف تطبيق هذا المنطق على الشهادة المتوسطة خللًا جوهريًا: فالامتحان قد يكون موحّدًا، لكن قدرات التلامذة على الاستعداد له ليست كذلك، في ظل تفاوت اقتصادي حاد، مدارس رسمية متضرّرة من الأزمات، وانقطاع متكرر عن التعليم، ووصول غير متكافئ إلى الدعم التربوي. ويُفاقم الواقع المالي القاسي للمدرسة الرسمية هذا الخلل، مقابل امتلاك مدارس خاصة موارد تمكّنها من التعويض، ما يضع تلامذة المدرسة الرسمية في موقع ضعف بنيوي. وعليه، يتحوّل الامتحان إلى أداة تعيد إنتاج اللا مساواة بدل الحدّ منها.
الحرب وتداعياتها
تتفاقم الإشكالية مع الخروج من حرب صعبة خلّفت آثارًا نفسية واجتماعية عميقة ووسّعت الفاقد التعليمي، لا سيما في المناطق الأكثر تضرّرًا. في هذا السياق، يغدو الامتحان الرسمي اختبارًا للقدرة على الصمود الاجتماعي أكثر منه قياسًا للتعلّم. ومن منظور العدالة التربوية، يصعب تبرير إخضاع تلامذة المدرسة الرسمية لامتحان موحّد عالي المخاطر فيما تُترك مدارسهم بلا دعم مالي فعلي أو خطط وطنية لتعويض الخسائر التعليمية. فالدولة التي تعجز عن تمويل مدرستها الرسمية لا يمكنها أخلاقيًا استخدام الامتحان أداة فرز تُحمِّل التلميذ كلفة إخفاقات بنيوية لا يد له فيها. وفي المقابل، تشير الأدبيات التربوية إلى أنّ الأنظمة الخارجة من أزمات كبرى تميل إلى اعتماد تقييمات تشخيصية داعمة بدل الامتحانات الفاصلة، بهدف رصد الفجوات وبناء تدخلات علاجية. وفي لبنان، حيث الفاقد التعليمي تراكمي، يبرز سؤال ملحّ حول جدوى إخضاع جيل كامل لامتحان رسمي في ظل ظروف تعلّم غير عادلة وغياب خطة وطنية جدّية لمعالجة هذا الفاقد.
الجدل حول مصير الشهادة المتوسطة يعكس في جوهره أزمة أعمق في بنية النظام التربوي اللبناني: أزمة رؤية لا أزمة امتحان. فالمسألة ليست خيارًا تقنيًا بين الإجراء أو الإلغاء، بل خيارًا أخلاقيًا وتربويًا يتعلق بصورة التعليم التي نريدها في لبنان ما بعد الأزمات والحرب، ونوع التعلّم الذي نريد قياسه، والعدالة التعليمية التي نسعى إليها. هل نملك الشجاعة للانتقال من منطق "القرار الظرفي" إلى سياسة تربوية مبنية على الأدلة؟ وهل نريد شهادة تُعلن النجاح أو الرسوب، أم نظام تقويم يُرافق المتعلّم في مسار تعلّمه ويُعيد الاعتبار للمدرسة بوصفها فضاء بناء لا فضاء اصطفاء؟ وهل يستطيع لبنان بناء نظام تقييم يجمع بين المعيارية والإنصاف، بين المحاسبة والدعم؟ أم سنبقى ندور في حلقة الإلغاء والإبقاء من دون ملامسة جوهر الأزمة؟
