لم يدندن النجّار باسل مقطعاً من أغنية الفنان مصطفى قمر، "خبّيني خبّيني من برد الليل، واحميني في حضنك دفّيني"، لأنّه يريد أن يعبّر عن حبّه لزوجته فدوى، بل كانت هذه الأنغام احتفالاً بـ"بيدون" المازوت الذي رافقه إلى منزله السوري في الشام القديمة لأوّل مرة بعد طول غياب.
توفّر المازوت بعد معاناة
وعبّر باسل (55 عاماً)، في حديثه لـ"المدن" عن سعادته، قائلاً: "لم أصدّق عيني عندما رأيت المازوت يتوفّر أخيراً.. لقد عانينا كثيراً في السنوات الماضية، وكانت الأيام تمر علينا باردة، وقاسية في صعوبة تأمينه، وغلاء سعره!" وأضاف: "كنا نضّطر للاعتماد على وسائل تدفئة بديلة، أمّا الآن، نسبة لا بأس بها من العائلات السورية "دفيانة"، معتبراً أن الأمور بدأت تتحسّن في البلاد، مؤخراً، مع أمنياته باستمرار توفير المازوت بأسعار معقولة، والنظر إلى احتياجات المواطنين الأخرى.
ويتوفّر المازوت حاليّاً في معظم محطّات الوقود السّورية دون انقطاع يذكر، حيث بلغ السعر الرسمي لليتر الواحد في تاريخ 30 كانون الثاني 8737 ليرة سورية (عملة قديمة)، ومن الممكن أن يصل سعره إلى 9000 ليرة سورية. وبذلك، السعر إلى النصف تقريباً مقارنة بالعام الماضي، بعد أن وصل سعر الليتر الواحد إلى 19 ألف ليرة سوريّة في السّوق التي تُسمى"السوداء"، وهذا إن توفّر.
سوق بيع المدافئ
خلال جولة "المدن" في الأسواق الدمشقية، تبيّن أن بيع مدافئ المازوت بمختلف أنواعها ينشط على حساب المدافئ الأخرى، بعد انخفاض سعر المادة، وتوفّرها مقارنة بالعام الماضي، الأمر الذي جعلها خياراً جيداً للكثير من العائلات السورية.
وتراوحت تكلفة مدفئة المازوت مع مستلزماتها من 500 إلى مليون ونصف ليرة سورية (قديمة)، بحسب حجمها ونوعها، حيث يبلغ هذا السعر للمدافىء التي تستهلك تقريباً ليتر في الساعة الواحدة، أو أكثر بقليل.
البرد والقلّة سبب كل علّة
على الرغم من أن سوريا تشهد هذا الشتاء توفّراً، وانخفاضاً بسعر مادّة المازوت، مقارنةً بالسنوات السّابقة قبل سقوط نظام بشار الأسد، إلا أن "القلّة" حرمت شريحة واسعة من المواطنين من شرائها، على مبدأ "الجمل بليرة وليرة مافي"! وهذه حال الموظّف سامي (43 عاماً)، الذي يقطن في برزة. ويبتسم في حديث لـ"المدن"، قائلاً: "البرد والقلّة سبب كل علّة.. لقد اضطررت أنا، وعائلتي إلى شراء مدفأة الحطب كحل بديل، في ظل معاناتنا من أوضاع اقتصادية صعبة، واستمرار تدهور حالتنا الماديّة". وأضاف: "نشتري حطب الزيتون لأنّه الأفضل للاشتعال، وفي بعض الأحيان نستخدم العرجوم، وهو عبارة عن قطع خشب زيتون صغيرة، والتي يجلبها والدي من طرطوس بين الحين والآخر".
تحتاج العائلة السورية لأكثر من طن من الحطب في الموسم الشتوي الواحد، حيث يبلغ سعر الطن الواحد مليون و600 ألف ليرة سورية (قديمة)، إذا حسبنا الكيلو الواحد منه بـ 1600 ليرة سورية وسط تدهور كبير في الحياة المعيشية، والأجور، والرواتب الشهرية.
خبّي حطباتك الكبار لعمّك آذار
يجلس بائع الحطب عامر (33 عاماً) على غصن شجرة مقطوع أمام محلّه في صحنايا بريف دمشق، يصنّف القطع الخشبية البنيّة بانتظام، متحدّثاً لـ"المدن" عن واقع الحال المؤسف. وقال: "مازال الحطب مرغوباً أكثر من المازوت، وهو أرخص منه نسبياً، حيث تتراوح أسعار الكيلو الواحد من 1500 إلى 3500 ليرة سورية (قديمة) بحسب اختلاف أنواعه".
ويشرح بائع الحطب أن أنواع الحطب المتوفرة مثل المشمش والحور والزيتون والزنزلخت وغيرها، التي يكثر بيعها في الأرياف لأنّها تواجه برداً قارصاً كل شتاء مقارنة بالمدن، ولا سيما في أوّل أشهر السنة وصولاً إلى آذار المقبل، الذي يقال فيه: "خبّي حطباتك الكبار لعمّك آذار".
بزر الزيتون وقشر الفستق.. بدائل للتدفئة!
مواد التدفئة السابقة ليست الوحيدة كبدائل لا يزال يستخدمها المواطن السوري طلباً للتدفئة. وقالت المهندسة الزراعية سهام (51 عاماً)، التي تقطن في جديدة عرطوز بريف دمشق لـ"المدن": "لجأت الكثير من عائلاتنا إلى تفل بزر الزيتون، والنشارة، وقشر الفستق وغيرها من المواد القابلة للاشتعال في هذا الطقس البارد". وأضافت: "البعض يقطع الأشجار الخضراء المثمرة ليحظى بكميّة من الحطب، مّا يؤثر سلباً على المناخ بعد فقدان الأشجار التي تعطي الأوكسجين، وتخفّض ثاني أكسيد الكربون، عدا عن خطورة تعرّض التربة بعد ذلك للانجراف".
وأكدت أهمية أن تولي الحكومة السورية اهتماماً أكبر في احتياجات المواطن، وما يترتّب عليها من سلبيات، وآثار كارثية على صحته عند محاولة تأمينها، مطالبة بضرورة إيجاد حلول عاجلة ومنصفة.
الكهرباء ليست حلاً
لم يعد يستطيع المواطن السوري الاعتماد على الكهرباء كوسيلة للتدفئة مهما زادت ساعات التغذية، بسبب ارتفاع تعرفتها الأخيرة التي أثارت جدلاً كبيراً، وتعرّضت للكثير من الانتقادات منذ إصدارها حتى الآن، لأنّها لا تتناسب مع القدرة الشرائية للسكّان. لكن المحامي فادي (43 عاماً)، اختار الاعتماد على المدفئة الكهربائية رغم ارتفاع التعرفة. وبرر ذلك بأنّه رغم توفر مادة المازوت، فإن الحصول على نوع جيد منه أصبح مرهقاً له، وخاصة أن بعض الأشخاص الذين يبيعونه يخلطونه بالماء، بحسب زعمه.
ويرى المحامي أن ساعات التغذية الكهربائية، زادت عمّا قبل، ما أتاح له تشغيل المدفأة في الفترات الأكثر برودة، خصوصاً أنّه يدفئ غرفة واحدة صغيرة من منزله في منطقة دويلعة، وهذا ما يسرّع العملية، ويجنّبه الحاجة إلى تشغيل المدفأة طوال اليوم.
الطاقة "ما بتكفّي" والغاز "عم يدفّي"
يعتمد الكثير من السوريين على نظام الطاقة البديلة في تغذية منازلهم بالكهرباء، ويستخدمون المدافئ الكهربائية ذات القدرة المنخفضة، ليحظوا بساعات قليلة من التدفئة، لأن الطاقة البديلة غير قادرة على توفير دفء مستمر خلال اليوم الواحد.
في المقابل، قدّم انخفاض سعر الغاز المنزلي فرصة ذهبية للعودة إلى استخدام مدافئ الغاز. وهذه حال المتقاعدة منيرة (60 عاماً)، التي تقطن في جرمانا بريف دمشق. فهي تعتمد على الغاز بالرغم من أن سعر الأسطوانة الواحدة يبلغ 123 ألف ليرة سورية تقريباً (قديمة)، وتحتاج إلى أسطوانة واحدة كل 20 يوماً على الأقل للحصول على تدفئة مقبولة.
تتفاوت خيارات السوريين في التدفئة بحسب قدراتهم ومناطق استقرارهم. فمنهم من "عاش بالنعيم"، ومنهم من استطاع التأمين بعد حين. ومنهم من أشعل قطعة قماش أو زيوت أو نفايات وما زال حلم التدفئة صعب المنال، قائلين: "الله يفرّج، آمين".
