لم تمرّ خطوة وزارة الصحة اللبنانية بإطلاق برنامج "عائد" من دون أصداء إيجابية، في بلد يرزح تحت أعباء معيشية خانقة وانهيار شبه كامل في منظومة الرعاية الصحية. فالبرنامج، الذي أُطلق بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية، يؤمّن تغطية صحية واستشفائية مجانية بنسبة 100% للنازحين من القرى الجنوبية الحدودية، الذين ما زالوا عاجزين عن العودة إلى منازلهم المدمّرة وفاقدين لمصادر رزقهم.
البرنامج الذي وُصف بأنه الأول من نوعه، يأتي في توقيت بالغ الحساسية، في ظل استمرار تداعيات الحرب وتفاقم الأزمات الاجتماعية والصحية، لا سيما لدى الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها العائلات النازحة.
تغطية مفتوحة واستشفاء مجاني
وخلال مؤتمر صحافي عُقد ظهر اليوم الجمعة في مبنى وزارة الصحة، أوضح وزير الصحة الدكتور راكان ناصر الدين أن برنامج "عائد" يشكّل "خدمة تهدف إلى التخفيف قدر المستطاع عن الناس"، مؤكداً أن البرنامج سيستمر إلى حين عودة السكان إلى قراهم، مع سقف تغطية مفتوح زمنياً.
وأشار ناصر الدين، في حديثه لـ"المدن"، إلى أن الاستشفاء سيكون مجانياً في جميع المستشفيات الحكومية من دون استثناء، ويشمل أكثر من 300 عملية جراحية، من بينها كسور الورك، العمليات المستعجلة، المرارة، الزائدة وغيرها.
وأضاف أنه في حال كانت العائلات مشمولة بالضمان الاجتماعي، ستتولى الوزارة تغطية فرق الضمان.
وعن سبب حصر التغطية بالنازحين من قرى الحافة الأمامية الجنوبية، رغم وجود نازحين آخرين من مناطق كالبقاع والضاحية الجنوبية، نفى الوزير أي تمييز في توزيع الخدمات، موضحاً أن اختيار هذه الفئة جاء استناداً إلى استطلاعات أُجريت بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية، وأظهرت أنهم الأكثر حاجة. وأشار إلى أن إمكانات وميزانية الوزارة لا تسمح حالياً بتوسيع نطاق التغطية، متمنياً لو كان بالإمكان شمول جميع اللبنانيين.
دور الشؤون الاجتماعية والبيانات الدقيقة
من جهتها، أكدت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد، في تصريح لـ"المدن"، أن إطلاق البرنامج يأتي بعد إقرار الموازنة العامة يوم أمس، والتي شهدت زيادة فعلية في الإنفاق الاجتماعي، بما فيه موازنتا وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية.
وأوضحت السيّد أن التعاون مع وزارة الصحة يستند إلى امتلاك وزارة الشؤون الاجتماعية بيانات دقيقة عن العائلات النازحة والمسجّلة على منصة "دعم"، لافتة إلى أن فرقاً من الوزارة تقوم بزيارات دورية لهذه الأسر للتحقق من أوضاعها الاجتماعية.
ووفق الوزيرة، يبلغ عدد العائلات النازحة المسجّلة 67 ألف عائلة، فيما يُقدّر عدد المستفيدين من برنامج "عائد" بنحو 17 ألف عائلة من أبناء القرى الحدودية. وأشارت إلى أنه في حال وجود عائلات غير مسجّلة، ستُمنح مهلة إضافية لإعادة فتح باب التسجيل على المنصة.
أما آلية التنفيذ، فشرحت السيّد أن بيانات العائلات النازحة ستُوزّع على المستشفيات الحكومية، بحيث يتم تطبيبهم تلقائياً عند الحاجة من دون أي تعقيدات إدارية.
وكشفت الوزيرة أن فرق الوزارة زارت، خلال العام الماضي وبعد اتفاق وقف الأعمال العدائية، أكثر من 67 ألف عائلة متضرّرة من العدوان، وقدّمت لها مساعدات نقدية تجاوزت 20 مليون دولار، خُصّصت من أموال المانحين على مدى ستة أشهر. وختمت بالقول: "الدولة ليست غائبة… الدولة موجودة وحدّ أهلها".
"العودة أولاً"… موقف أبناء القرى الحدودية
في المقابل، شدّد منسّق "تجمّع أبناء البلدات الجنوبية الحدودية"، المهندس طارق مزرعاني، على أن المطلب الأساسي للتجمّع يبقى "العودة الآمنة" ورفض إقامة أي منطقة عازلة، معتبراً أن هذه الخدمات، على أهميتها، تهدف إلى التخفيف ولو جزئياً عن معاناة العائلات التي لا تستطيع العودة إلى قراها.
واعتبر مزرعاني أن إقرار الاستشفاء الشامل على نفقة وزارة الصحة للنازحين والعائدين يشكّل “إنجازاً كبيراً وتحقيقاً لمطلب أساسي من مطالب التجمّع وأهالي القرى الحدودية”، ولا سيما في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة والوضع المادي المتردّي الذي يعيشه النازحون.
وأشار إلى أن هذا المطلب يندرج ضمن سلسلة مطالب، أبرزها العودة الآمنة، والتعويضات، وإعادة الإعمار، مؤكداً أن "الهدف الأساسي يبقى عودة الأهالي إلى قراهم بأمان وكرامة". ولفت إلى أن أزمة الإيواء باتت خانقة، في ظل تراكم بدلات الإيجار على النازحين، ومعظمهم بلا عمل أو مدخول ثابت منذ أكثر من سنتين ونصف، كاشفاً أن وزيرة الشؤون الاجتماعية وعدت بالسعي الجدي لمعالجة هذا الملف.
خطوة إسعافية بانتظار الحل الجذري
في المحصّلة، يشكّل برنامج "عائد" خطوة إسعافية ضرورية في مسار طويل من الأزمات المتراكمة، ورسالة بأن الدولة قادرة، ولو بحدّها الأدنى، على التدخل لحماية الفئات الأكثر تضرّراً. غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، تبقى مؤقتة ما لم تُترجم بحلول جذرية تضمن العودة الآمنة، التعويض العادل، وإعادة الإعمار، بما يعيد للنازحين حقهم في الحياة بكرامة داخل قراهم لا على هامش الأزمات.
