أتى البيان الصادر عن المكتب الإعلامي في وزارة التربية حول واقعة تعنيف الطفل في مدرسة عبد الكريم الخليل الثاني أفظع من الحادثة المشينة. حمل في طياته تبريراً سخيفاً لعدم تحرك الوزارة في أمر من هذا النوع إلا بعد نشر الملابسات. وينمّ عن محاولة تبرئة بعض الموظفين المتلكئين عن أداء واجبهم، وعلى رأسهم مدير التعليم الابتدائي جورج داوود، خصوصاً أن المعلومات التي حصلت عليها "المدن" حول هذه الواقعة تستدعي كف يد أكثر من موظف معني.
قبل نحو شهرين
جاء في بيان وزارة التربية الآتي: "انتشر في الساعات الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لتلميذ برفقة والدته داخل إحدى المدارس، يقول فيه التلميذ إنه تعرّض لنوع من التعنيف على يد معلمته. وعلى الفور تحرّك التفتيش التربوي وأجرى تحقيقًا في الأمر، كما أوفدت مديرية التعليم الأساسي في وزارة التربية، بتوجيه من الوزيرة ريما كرامي، موظفين اثنين إلى المدرسة، ورفعا تقريرًا إلى الوزارة بما حدث. وقد تبيّن أن الحادثة وقعت قبل نحو شهرين.
إن وزارة التربية والتعليم العالي ستتخذ الإجراءات العقابية بحق المعلمة في حال ثبوت المخالفة، انطلاقًا من مبدأ عدم السماح بالتعرّض لأي تلميذ لأي نوع من أنواع التعنيف".
بداية، التعويل الوحيد في هذا البيان على ما جاء في الفقرة الأخيرة من البيان لناحية طلب الوزيرة اتخاذ "إجراءات عقابية"، غير ذلك، فإن الوقائع التي حصلت عليها "المدن" تفيد بأن التقصير بدأ في مديرية التعليم الابتدائي في الوزارة. أما تبرير الأمر بأن "الحادثة وقعت قبل نحو شهرين" فعذر أقبح من ذنب. كما لو أن الأمر يسقط بمرور زمن. علماً أن ما حصل يستدعي محاسبة مدير التعليم الابتدائي جورج داوود وإحدى الموظفات في مكتبه، لعدم تحركه إلا يوم أمس وبعد نشر "المدن" لتقرير حول الواقعة. والسؤال هنا: كيف قبلت مديرية التعليم الابتدائي بعدم اتخاذ إجراءات فورية عندما تلقت الشكوى لتخفيف الضرر عن الأطفال طوال هذه المدة؟ وهل تبلغت الوزيرة بالشكوى، وانشغلت طوال هذه المدة في ملفات أهم من قضية تعنيف الأطفال في المدارس الرسمية؟
تخويف الطفل بالخزانة!
بعيداً عن تبريرات بيان وزارة التربية، الذي ينطوي على عدم معاقبة المسؤول المعني، تؤكد مصادر مطلعة على التحقيقات لـ"المدن" أن ممارسة المعلمة التعنيف على الأطفال بدأ بعد انطلاق العام الدراسي بنحو أسبوعين، لكن انفضحت القضية بعد عطلة الأعياد مباشرة، أي ليس قبل نحو شهرين. والمصيبة أن والدة الطفل ذهبت إلى وزارة التربية لتقديم شكوى في مديرية التعليم الابتدائي لكن الموظفة المعنية (نتحفظ عن ذكر اسمها) في مكتب داوود تمنت عليها أن لا تقدّم الشكوى ووعدتها بحل الموضوع.
في الوقائع التي حصلت عليها "المدن" تبين أن المعلمة لم تقدم على حبس الطفل في الخزانة في الغرفة السفلية في المدرسة، بل كانت تضعه خلف باب الغرفة من دون إدخاله إلى الخزانة المظلمة. لكنها كانت تهدده أنه في حال واصل المشاغبة ستحبسه فيها ولن يقتصر الأمر على معاقبته خلف الباب. وهذا يكشف عن ممارسة عنف لفظي شبيه بالتهديد بوضع الطفل في غرفة "الجراذين"، التي كانت تستخدم في العصور الغابرة.
خوف الطفل من المدرسة
لم يخبر الطفل والدته في البداية خوفاً من العقاب. وتفاقمت حالته النفسية، ويعارض الذهاب إلى المدرسة. ولاحقاً أفصح الطفل عن معاناته. اشتكت والدته وقيل لها أنه سيصار إلى متابعة الموضوع لمعرفة الحقيقة. واتصلت بالوزارة ولم تلق أي جواب. ثم حاولت تقديم شكوى في مديرية التعليم الابتدائي التي يرأسها داوود.
وتفيد المصادر أن مديرة المدرسة استجوبت المعلمة المعنية. لكن اقتصرت الأمور عند هذا الحد، ولم تفتح مديرية التعليم الابتدائي أي تحقيق. وحيال "تطنيش" الوزارة لجأت أم الطفل إلى نشر غسيل المدرسة عبر تصوير الفيديو، في محاولة لإسماع صوتها. وهذا عادة يحصل في مثل هكذا قضايا.
لفلفة قضايا التعنيف
منذ نحو شهرين أقدمت كرامي على تعيين داوود بالأصالة مديراً لمديرية التعليم الابتدائي بطريقة ملتبسة فقط لأنه أبدى الطاعة لإحدى مستشارات الوزيرة. ولم ترفع كتباً للتفتيش المركزي لأخذ رأيه كما تقتضي الأصول قبل التعيين، ومعرفة إذا ما كانت بحقه ملفات سلوكية. بل اكتفت الوزيرة برأي مجلس الخدمة المدنية. مع العلم أن كل قضايا التعنيف في المدارس الرسمية لم تؤد إلى معاقبة أي موظف سواء كان استاذاً أو إدارياً، وكان داوود على رأس المديرية بالتكليف طوال السنوات السابقة.
كل قضايا تعنيف الأطفال في القطاع الرسمي وحتى الخاص تحل دائماً بالطرق الحبية. تصدر بيانات مقتضبة عن وزارة التربية تقول فيها أنها تتابع وستتخذ إجراءات... لكن لا يؤخذ أي إجراء ولا تنشر الوزارة أي تحقيق لاطلاع الرأي العام. تتدخل الوساطات السياسية لدى داوود ويصار إلى لفلفة الموضوع، بعد ممارسة الترهيب أو الترغيب على أهالي الأطفال للتراجع عن أقوالهم. وتنتهي القضية بعدم معاقبة الأستاذ المرتكب، ولا يصار إلى إخضاعه إلى دورة إعادة تأهيل تربوي لكيفية التعامل مع الأطفال "المشاغبين".
أتى بيان وزارة التربية اليوم ضمن مسار الأمور المعهودة ويحمل في طياته عدم جدية في كيفية مقاربة قضايا التعنيف. وعليه فإن وزيرة التربية أمام استحقاق نشر التحقيقات ومعاقبة المذنبين من دون أي تدخل سياسي لحماية أي جهة. على أن تبدأ المحاسبة بالمدير الذي عينته وصولاً إلى المعلمة. غير ذلك سيستمر مسلسل تعنيف الأطفال وتستمر لفلفة المواضيع، ويعود ويفتح هذا الجرح بعد لجوء الأهل إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
