سينفجر ملف تفرغ المتعاقدين في الجامعة اللبنانية بوجه رئيس الحكومة نواف سلام، تماماً كما حصل في ملف التعيينات في الجمارك، ومن دون أي يكون له ناقة أو جمل في الموضوع، طالما أن حكومته ستقر الملف في الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء. ولن تقتصر الأضرار على ملف التفرغ، بل ستشمل مجلس الجامعة أيضاً، حيث ثمة صفقة كبرى تدبّر حالياً بين بعض المكونات السياسية والمسؤولين في قصر بعبدا، وقد قطعت شوطاً كبيراً، وبات يشار إلى أسماء العمداء الذي سيكونون من حصة بعبدا بالاسم.
اللمسات الأخيرة على الملف
ضغط رئيس الجمهورية جوزاف عون لإقرار ملف التفرغ كيفما اتفق، وولد الملف بلا أي معيار أكاديمي أو علمي أو حتى طائفي. فتحت ذريعة تأمين التوازن المسيحي الإسلامي، جرى تجاهل حاجة الجامعة، وحصلت استثناءات حتى داخل الطائفة الواحدة، وليس بين المسيحيين والمسلمين.
بات ملف التفرغ في الجامعة اللبنانية في مراحله الأخيرة، ويفترض أن يقرّ في جلسة الحكومة في 5 شباط المقبل. حالياً توضع اللمسات الأخيرة، ليس لناحية إضافة أو شطب أسماء (باستثناء إضافة أسماء في مجلس الوزراء لإرضاء الطائفة العلوية)، بل لناحية ترتيب الأسماء لتفريغ الجميع على ثلاث دفعات.
دفعة كل ستة أشهر
ووفق معلومات "المدن"، ثمة إشكاليات حول كيفية توزيع المتعاقدين على الدفعات ومن يتفرغ قبل غيره، لا سيما أن هناك متعاقدين يخرجون إلى التقاعد قريباً. وثمة اقتراح بتفريغ الجميع خلال سنة ونصف السنة، أي دفعة واحدة كل ستة أشهر، لإرضاء الجميع.
وبعيداً عن عدم وجود معايير واضحة للتفرغ، وفضيحة حشو الجامعة بموظفين لا حاجة لهم، جرى استقطاب بعضهم على عجل، في محاولة لتأمين التوازن الطائفي، فإنّ اقتراح تفريغ المتعاقدين خلال سنة ونصف السنة غير قانوني وغير أكاديمي، ويؤثر على صندوق التعاضد وعلى توزيع الأنصبة وموازنة الجامعة. وقد أتى هذا الاقتراح لحلحلة الإشكاليات العالقة حول من يتفرغ أولاً، في حال تقرر تفريغ الأساتذة على مدى ثلاث سنوات، فيما الجميع يركضون لتمرير جماعاتهم في الدفعة الأولى.
لا استثناء للموظفين
الملف يشكل سابقة في الجامعة بتفريغ أساتذة في نصف السنة، بعضهم لا أنصبة ولا ساعات لهم في الجامعة من الأساس. لكن على قاعدة "من شرب النهر لن يغص بالساقية"، يسير المسؤولون بالملف تحت ذريعة "التقليل من الخسائر" وإقرار الملف على اعتاب الانتخابات النيابية المقبلة.
سبق وطرح البعض شطب أسماء المتعاقدين الموظفين في الإدارة العامة من الملف (غالبيتهم من الطائفة الشيعية) لتأمين التوازن مع السنّة والتوازن الإسلامي المسيحي مع المسيحيين. لكن رسا الخيار على إبقائهم، ما كرّس اللاتوازن بين المسيحيين والمسلمين.
ووفق المعلومات، جرى إرضاء الأطراف المسيحية أولاً، من خلال تفريغ جميع المتعاقدين بمعزل عن عدد الساعات التي يدرسونها، ومن خلال تفريغ حتى الذين تركوا الجامعة وهاجروا في السنوات الخمس الأخيرة. وعادت وزيرة التربية وأدخلت أساتذة من الطائفة السنّية (لا ينطبق عليهم شرط التدريس 200 ساعة في آخر سنتين) لرفع نسبة السنّة حيال الشيعة. كما أضيفت بعض الأسماء الشيعية، من الذين لا تنطبق عليهم شروط التفرغ، بغية إرضاء حزب الله وتخفيف الاحتقان بينه وبين حركة أمل، التي تمكنت من إدخال العديد من الأساتذة (بعضهم يحتلون مواقع رفيعة في "أمل") من الذين لا تنطبق عليهم شروط الاختصاص؛ أي التفرغ.
صفقة مجلس الجامعة
هذا الحشو الطائفي والحزبي أدى إلى تضخم الملف، الذي أعدته كرامي سابقاً (1282 متعاقداً). وبات العدد المنوي تفريغهم نحو 1600 متعاقد، أكثر من 300 شخص بينهم بلا نصاب، بل مجرد حشو طائفي. وهذا يتناقض مع ما سبق وأعلنه رئيس الحكومة نواف سلام عن تفريغ أساتذة تحتاج إليهم الجامعة وعلى قاعدة الكفاءة وبعيداً عن المحاصصة والزبائنية.
وبالرغم من هذه المخالفات الجسيمة، التي حوّلت الجامعة إلى صرح للتوظيف الزبائني قبيل الانتخابات النيابية، لم يتأمن التوازن بين المسيحيين والمسلمين. لكن جرى إرضاء المسيحيين بعقد صفقة كبرى بتشكيل مجلس الجامعة. فنسبة المسيحيين مقابل المسلمين تقلّ عن أربعين بالمئة في ملف التفرغ، لكن سيصار إلى "التعويض" عليهم بمنح المسيحيين عشرة عمداء (من أصل 19 عميداً) في مجلس الجامعة وعضواً آخر كمفوّض للحكومة.
الصفقة الحالية تتضمن إقرار ملف التفرغ في الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء، ويليها ملف مجلس الجامعة في أقرب جلسة بعد التفرغ. ومثل ملف التفرغ، تشوب ملف مجلس الجامعة إشكاليات أكاديمية وقانونية.
سبق وأرسلت وزيرة التربية ريما كرامي كتباً لأخذ رأي هيئة التشريع والاستشارات حول ملف ترشيحات العمداء التي رفعها رئيس الجامعة بسام بدران، لا سيما أن العمداء المكلفين صوّتوا لأنفسهم في مجالس الوحدات، وثمة كليات رفعت اسم مرشح واحد عوضاً عن خمسة أسماء، وحدّت من صلاحية وزيرة التربية في اختيار ثلاثة أسماء لعرضها على مجلس الوزراء. لكن أتى رأي هيئة التشريع والاستشارات "غب الطلب" ومبهماً، كما لو أنّ هناك "يداً خفية" تدخلت لكتابة هذا الرد. فرغم وجود قرارات وآراء سابقة صادرة عن شورى الدولة وعن هيئة التشريع والاستشارات تقر صراحة بعدم قانونية "تكليف" رئيس الجامعة عميداً لأي كلية، لم يأت الرد على وزيرة التربية واضحاً لهذه الناحية. وعليه سيصار إلى تشكيل مجلس الجامعة من ضمن الأسماء التي رفعها رئيس الجامعة، رغم كل الشوائب التي اعترت جلسات الانتخاب.
