نهر بيروت: مشروع للسياحة البيئية يحيي المدينة وجوارها

رنا البايعالأربعاء 2026/01/28
Image-1769590249
يشكل وادي نهر بيروت منظومة بيئية متكاملة بمساحة تقارب 101 كم2 (جمعية حماية الطبيعة)
حجم الخط
مشاركة عبر

بينما تضيق المساحات الخضراء في لبنان تحت وطأة التوسّع العمراني غير المنظّم والتّعدّيات البيئية المتراكمة، تبرز من قلب جبل لبنان مبادرة بيئية طموحة تهدف إلى حماية ما تبقّى من الرئة الطبيعية لبيروت الكبرى. 

يمتدّ وادي نهر بيروت من أعالي حمانا وفالوغا حتى مشارف العاصمة، مشكّلاً منظومة بيئية متكاملة على مساحة تقارب 101 كم2، تختزن في طياتها تنوعاً طبيعياً نادراً وتاريخاً بيئياً مهدّداً بالاندثار. يتحوّل هذا الوادي اليوم إلى محور مشروع وطني يسعى إلى إعادة تعريف علاقة الإنسان بأرضه، من منطلق علمي وتنموي مستدام.

Image-1769590409

لم يعد وادي نهر بيروت مجرد مجرى مائي موسمي، بل أصبح مساحة عمل ميداني متكاملة تقودها جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL)، ضمن رؤية طويلة الأمد تهدف إلى إعلانه أول "منتزه طبيعي" في لبنان، بدعم من الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون (SDC). وبشراكة وثيقة مع وزارة البيئة ووزارة الداخلية والبلديات كشريكين أساسيين، إضافة إلى وزارة الأشغال العامة والنقل ووزارة الطاقة والمياه، نظراً إلى الدور الحيوي الذي يلعبه الوادي في البنية التحتية المائية والبيئية. كما يقوم المشروع على تعاون مباشر مع البلديات الثماني عشرة المعنية الواقعة ضمن حوض الوادي بصفتها أصحاب المشاعات، إلى جانب اتحاد بلديات المتن الأعلى الذي يشكّل مظلّة تنسيقية أساسية لضمان التكامل بين الحماية البيئية والتنمية المحلية، بما يوفّر نموذجاً قابلاً للتكرار في وديان ومناطق لبنانية أخرى تعاني من الإهمال ذاته.

 

الرّهان على التنوع البيولوجي

تنبع الأهمية البيئية لوادي نهر بيروت من موقعه الجغرافي وتدرّجه الارتفاعي، ما أوجد فسيفساء من الموائل الطبيعية التي تشمل الغابات المتوسطية، الأنظمة النهرية، الأراضي الزراعية التقليدية، والمناطق الرطبة. هذا التنوّع جعل الوادي ملاذاً لعدد كبير من الأنواع النباتية والحيوانية، وممراً رئيسياً للطيور المهاجرة بين أوروبا وأفريقيا.

وقد صنّفت جمعية حماية الطبيعة في لبنان SPNL بصفتها الشريك الوطني لمنظمة BirdLife International أجزاء واسعة من الوادي كمناطق مهمة عالمياً للطيور (IBAs)، وعزّزت الجمعية هذا التصنيف لاحقًا بإدراجها كمناطق التنوع البيولوجي الرئيسية (KBAs).

ويقود الفريق العلمي في الجمعية، بإشراف حسين زرقط، أعمال المسح البيئي والرصد الميداني، مدعوماً باستخدام أدوات التحليل المكاني ونظم المعلومات الجغرافية (GIS)، يشرف عليها الخبير بلال علوية، لإنتاج خرائط دقيقة للموائل الحساسة ومناطق الضغط البيئي. وتشير المسوحات البيئية التي أُجريت في بلدات مثل رأس المتن، بتخنيه وقرنايل إلى وجود أنواع مهددة إقليمياً، ما يفرض ضرورة ملحّة لإطار حماية علمي وقانوني يمنع فقدان هذه الثروة الطبيعية.

وتتكامل هذه الجهود مع عمل مرصد الطيور في حمانا، بإدارة شادي سعد، الذي يشكّل منصة علمية متخصصة لمراقبة ودراسة الطيور المقيمة والمهاجرة، وتوفير بيانات طويلة الأمد تدعم التخطيط البيئي وإدارة الموائل الطبيعية.

Image-1769590528

الحمى بصفتها حارساً للأرض

يشكّل نظام "الحمى" العمود الفقري لهذا المشروع. ويشرح لـ"المدن" مدير عام جمعية حماية الطبيعة في لبنان أسعد سرحال أن الحمى ليست مفهوماً تراثياً فحسب، بل تمثّل نموذجاً متقدّماً للإدارة البيئية التشاركية، يعيد السلطة إلى المجتمعات المحلية ضمن إطار علمي وقانوني حديث. وقد شكّل إعلان بعض القرى مناطق حمى رسمية محطة مفصلية، عكست انتقال المشروع من مرحلة التخطيط إلى التطبيق العملي، بمشاركة فاعلة من البلديات والأهالي في اتخاذ القرار، مراقبة الموارد الطبيعية، وتنفيذ خطط الإدارة المستدامة، ما يعزّز الشعور بالملكية والمسؤولية تجاه الأرض.

يلعب حماة الحمى، ومن بينهم أندريه بشارة، دوراً ميدانياً محورياً في مراقبة التعديات، تنظيم استخدام الموارد الطبيعية، ونشر الوعي البيئي، ما يرسّخ ثقافة الحماية المحلية، ويحدّ من الصيد الجائر وتدهور الغابات. ويؤكد سرحال أن "نجاح مشروع وادي نهر بيروت يثبت أن حماية الطبيعة لا يمكن أن تنجح من دون المجتمعات المحلية، وأن الإدارة من القاعدة إلى القمة هي المدخل الحقيقي لأي سياسة بيئية مستدامة في لبنان".

Image-1769590556

سياحة واستثمار مستدام

لا يقتصر المشروع على الحماية البيئية، بل يطرح نموذجاً تنموياً قائماً على السياحة البيئية منخفضة الأثر. وتشكّل "دروب الحمى" إحدى الركائز الأساسية لهذا التّوجه، حيث يعمل حماده ملاعب على تطوير شبكة مسارات تربط قرى الوادي، وتتيح للزوار اختبار الطبيعة من دون الإضرار بالموائل الحساسة.

ويوضح سرحال أن هذه الدروب ليست مجرد مسارات للمشي، بل أدوات تنموية تخلق فرص عمل للشباب كمرشدين بيئيين، وتشجّع على تطوير بيوت ضيافة ريفية، وتسويق المنتجات الزراعية المحلية والمونة البلدية.

في موازاة ذلك، تبرز الشراكة مع جمعية راس المتن للتنمية المستدامة(MESD)، الشريك الأساسي في المنتزه الطبيعي، ولا سيما من خلال مشروع "لبكرة" الذي يهدف إلى خلق فرص اقتصادية محلية، مع تركيز خاص على تمكين نساء المنطقة، دعم المزارعين، وتطوير سلاسل قيمة للمنتجات الزراعية والغذائية المحلية، بما يعزّز صمود المجتمعات الريفية، ويحوّل حماية الطبيعة إلى فرصة تنموية.

Image-1769590643

الحوكمة القانونية والعين على اليونسكو

يبقى الإطار القانوني التّحدّي الأبرز أمام استدامة المشروع. وتعمل جمعية حماية الطبيعة في لبنان، بالتعاون مع الوزارات المعنية، على الدفع باتجاه اعتماد مسودة المرسوم التي أعدّها الخبير بسام القنطار. وهي تعتمد على مبدأ تنظيم استخدام الأراضي لا مصادرتها، عبر تقسيم الوادي إلى نطاقات حماية متدرجة توازن بين حماية الطبيعة وحقوق السكان. ما يحفظ الغابات والأنظمة النهرية ويمنع التّوسع العمراني العشوائي.

ولا يتوقف الطموح عند إعلان منتزه طبيعي، بل يمتدّ إلى إدراج وادي نهر بيروت ضمن شبكة محميات المحيط الحيوي التابعة لليونسكو. ويشير سرحال إلى أن هذا الهدف يتطلّب التزاماً طويل الأمد بالمعايير العلمية والإدارية، لكنه في المقابل يضع هذا الشريان البيئي على الخارطة العالمية كنموذج للإدارة البيئية المتكاملة في لبنان، ويفتح الباب أمام دعم تقني وسياحي دولي.

Image-1769590668

إدارة المشروع والتنفيذ الميداني

على المستوى التنفيذي، تُدار أنشطة المشروع ميدانياً بإشراف مديرة المشروع فاطمة حايك، التي تتولى تنسيق العمل اليومي بين الشركاء الحكوميين، البلديات الثماني عشرة، الجمعيات المحلية، والفرق العلمية والتقنية. ويُعد هذا الدور محورياً في ضمان تكامل المسارات البيئية، البرامج العلمية، والمبادرات التنموية ضمن رؤية موحّدة، تستند إلى المعايير البيئية الدولية، وتراعي في الوقت نفسه خصوصية المجتمعات المحلية واحتياجاتها الاجتماعية والاقتصادية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث