في الوقت الذي لا يزال فيه اللبنانيون تحت صدمة انهيار المبنى على رؤوس قاطنيه في مدينة طرابلس، نشرت بلدية شتورا في قضاء زحلة عبر صفحتها على "فايسبوك" صباح أمس الإثنين، إنذارًا موجهًا إلى سكان مبنىً سكني يقع خلف المحكمة الشرعية، دعتهم فيه إلى إخلائه بأقصى سرعة لعدم توفر معايير السلامة فيه.
بدا الإنذار للوهلة الأولى انعكاسًا لحالة الهلع التي أصابت المواطنين بعد حادثة طرابلس. غير أنّ التدقيق في خلفياته كشف أنّ المسألة أعمق من ردّ فعل آني، وتختزن تاريخًا من الإهمال، يتخطى التقصير الحاصل من قبل مالكي المبنى، إلى طرح مسؤولية السلطات المحلية في تأمين سلامة القاطنين ضمن نطاقاتها.
إنذار بوجود تصدّعات
الإنذار الصادر ليس جديدًا في جوهره. وبحسب رئيس بلدية شتورا ميشال المطران، فقد بني على كشف أجراه التنظيم المدني منذ سنوات، ووُضع تقرير حوله منذ شهر تشرين الأول من العام 2023، حيث تبيّن، وفقًا لمطران، وجود تصدّعات ظاهرة للعيان، تستوجب إجراء المزيد من الكشوفات الهندسية، لتحديد مدى صلاحيته للسكن.
هذا الأمر كان مقروءاً في الإنذار نفسه، الذي أورد أنه استند إلى إحالة وزارة الاشغال العامة والنقل - المديرية العامة للتنظيم المدني الرقم١٥٩/ب تاريخ ٢٠٢٣/١٠/٢٥، والتي أفادت "أن المبنى الكائن على العقار رقم /٦٣٨/ من منطقة شتورة العقارية متصدع ومشقق، ومبيّن بالعين المجردة، ويشكل خطراً على السلامة العامة، مع وجود خشية من احتمال انهياره."
ولكن ما تبين أن المبنى ليس وحده الذي شمله تقرير التنظيم المدني منذ سنوات. فبعد حادثة طرابلس، كما يشرح المطران، طرح السؤال على الفريق البلدي حول وجود مبانٍ يمكن أن تشكل خطرًا على السلامة العامة في نطاق بلديته. ولدى البحث في الملفات السابقة، اكتشف أن التنظيم المدني كان قد أعدّ تقريرًا مشابهًا بمبنى ثان أهملته البلدية ايضًا، هو مبنى فندق "قاصوف" الذي كان قد احترق سابقًا. ولكن نظرًا لكون المبنى غير آهل بالسكان، كان من الطبيعي أن يستحوذ المبنى المسكون على الأولوية.
يقدر مطران عدد المقيمين في المبنى بنحو خمسين شخصًا، جميعهم من عائلات سورية نازحة. إلا ان المفارقة التي اكتشفت، أن لا صاحب المبنى ولا سكانه كانوا يعلمون بوجود مثل هذا التقرير الصادر حول حالة المبنى عن التنظيم المدني، ولا بالظروف الخطرة التي يعيشون فيها.
وانطلاقًا من هنا، وصف مطران الإنذار بأنه احترازي ويقع في صلب مسؤوليات البلدية، وهو وجه الدعوة "إلى إخلاء المبنى فوراً ودون أي تأخير، حفاظاً على الأرواح والممتلكات، وذلك إلى حين اتخاذ الإجراءات اللازمة ومعالجة الوضع الإنشائي وفق الأصول".
ومع أن البلدية اعتبرت انذارها ملزمًا، وأن أي تأخير في التنفيذ يقع على عاتق ساكني المبنى، فإن قرارها بالإخلاء لم يأتِ قسريًا في هذه المرحلة، وهي بالتالي لم تصطحب دورية لتنفيذ الإنذار، بل نبّهت سكان المبنى بوجود خطر محتمل.
البلدية ترفع المسؤولية عن نفسها
وعليه، فإن البلدية، وإن لم تحدد مهلة زمنية للإخلاء، فقد أخلت مسؤوليتها من أي تداعيات مستقبلية قد يتسبب بها المبنى، وأبقت مسؤولية استمرار إشغاله على عاتق السكان أنفسهم.
بالمقابل انتزعت البلدية تعهدًا من مالك المبنى، وفقًا لمطران، بالسعي لمزيد من الكشوفات، على أن يقدّم تقريرًا هندسيًا مفصّلًا من مهندس مختص في الخرسانة، يثبت ما إذا كان المبنى، رغم التصدّعات، صالحاً للسكن.
إلا ان السؤال الذي بقي مطروحًا هو: لماذا اختير هذا التوقيت بالذات لتوجيه الإنذار، وأين كانت البلدية طيلة الفترة الماضية، ومن يتحمّل مسؤولية ترك الناس ينامون يوميًا تحت سقف قد يكون مهدّدًا بالسقوط منذ سنوات؟
يتأسف مطران للتقصير الذي وقع في عهد المجلس البلدي السابق، ولإهمال التقرير بلا أي إجراء، وكأن الخطر مؤجَّل أو قابل للنسيان، فيما استمر نحو خمسين شخصًا في السكن داخل مبنى مهمل، قد يتحوّل في أي لحظة إلى كارثة جديدة. ويعتبر أن خطوة الانذار هذه، ولو جاءت متأخرة بعد تسلمه مهام ولايته، فهي تضع القطار على السكة بالنسبة للمباني التي تعتبر خطرًا على سكانها.
وإذا كان مصير سكان المبنى يثير إشكالية في حال تقرر اخلاء المبنى، اعتبر المطران أن هذه الأولوية مطروحة، ولكنها مؤجلة إلى ما بعد تأمين سلامة الناس، "لأن الأولوية الآن هي لعدم تركهم في مبنى يعرّض حياتهم لخطر".
