طرابلس، المدينة التي حملت يوماً صفة العاصمة الثانية، ووقفت شاهدة على تعاقب حضارات متعددة، تبدو اليوم وكأنها مدينة أُنهكت حتى التعب. ليست المشكلة في تاريخها، فهذا التاريخ لا يزال حاضراً بقوة في إرثها الحضاري والتراثي، بل في حاضرٍ قاسٍ أفقدها جزءاً كبيراً من روحها ودورها الوطني والاقتصادي والثقافي.
مدينة بلا دولة
كانت طرابلس مركزاً تجارياً مزدهراً، وميناءً حيوياً، وملتقى للعلم والثقافة في خدمة كل أبناء الشمال. لكن الدولة، التي كان يفترض أن تحمي هذا الدور وتعزّزه وتطوّره، غابت عنها. لم يعد هذا الغياب حالة مؤقتة، بل تحوّل إلى نهج دائم، تُستنزف فيه المدينة بصمت، وتُترك لمصيرها كأنها خارج حدود الوطن.
الفقر بدل الازدهار
أصبح الفقر العنوان اليومي للمدينة، أحياء كاملة تعيش على هامش الحياة، شباب بلا فرص عمل، تسرب مدرسي، وكفاءات تُهاجر لأن طرابلس لم تعد قادرة على احتضان طموحات أبنائها. فوضى تعمّ مختلف جوانب المدينة، وهذا الفقر لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة سياسات إقصاء وتهميش، وحرمان مزمن من التنمية والاستثمار الحقيقي المنتج..
وزاد هذا الواقع قسوة التدهور الاقتصادي والأمني الناتج عن جولات العنف المتعددة التي شهدتها المدينة، وكان آخرها في منطقتي جبل محسن وباب التبانة، والتي حوّلت طرابلس لسنوات طويلة إلى ساحة اشتباك مفتوحة. هذه الجولات لم تحصد الأرواح فحسب، بل دمّرت الاقتصاد المحلي، وهجّرت المستثمرين، وأقفلت المحال والمؤسسات، ورسّخت صورة مدينة غير آمنة.
تراث مهدّد بالاندثار ومباني بالانهيار
تواجه مدينة طرابلس خطراً متزايداً يتمثّل في انهيار المباني السكنية، ولا سيما في الأحياء القديمة المكتظّة بالسكان. عشرات الأبنية المتهالكة، التي تعود بمعظمها إلى عقود طويلة، تُركت من دون صيانة أو تدعيم، في ظل غياب شبه كامل للرقابة الرسمية وخطط المعالجة الوقائية، ما يحوّلها إلى قنابل موقوتة تهدّد حياة آلاف المواطنين.
خسرت طرابلس جزءاً كبيراً من تراثها العمراني نتيجة مشروع توسعة نهر أبو علي بعد كارثة فيضانه، ما أدى إلى القضاء على العديد من مبانيها القديمة وتخريب قسم واسع من نسيجها العمراني التاريخي. كما فُقدت مبانٍ شكّلت جزءاً أساسياً من هوية المدينة وذاكرتها الجماعية، من بينها مدارس الفرير، ومبنى مدرسة الليسيه الفرنسية، ومسرح الإنجا، وأوتيل قصر المنتزه، ودور السينما المتعددة، وآخرها سينما الكولورادو، إلى جانب العديد من الأبنية التراثية ذات الطراز المعماري المميّز في ظل غياب أي خطة جدية للحفاظ على التراث المعماري الذي يشكّل هوية المدينة وروحها والذي لا يُنظر إليه كقيمة اقتصادية وثقافية قادرة على إعادة الحياة إلى المدينة.
نزوح السكان وتبدّل الهوية
عانت طرابلس من هجرة طالت شريحة واسعة من أهلها، ولا سيما من المسيحيين، خلال الحرب اللبنانية وفي مرحلة حكم حركة التوحيد الإسلامية، ما أحدث خلخلة عميقة في نسيجها الاجتماعي التاريخي القائم على التنوع والانفتاح. لم يكن هذا النزوح مجرد انتقال سكاني، بل شكّل خسارة بشرية وثقافية واقتصادية، وأسهم في إضعاف دور المدينة كمساحة جامعة.
في المقابل، شهدت طرابلس نزوحاً كثيفاً من الريف إلى داخل المدينة من دون أي تخطيط أو سياسات إسكانية أو إنمائية مرافقة، ما ساهم في ترييف المدينة وتشويه عمرانها وأنماط العيش فيها، خصوصاً في ظل غياب القانون كمرجع ناظم للعلاقات الاجتماعية والعمرانية.
من مدينة الإنتاج إلى صورة نمطية منسية
شكلت طرابلس التي لقبت بعاصمة المفروشات مركزاً اقتصادياً نشطاً يحتضن المصانع التي وفّرت فرص عمل لآلاف العائلات، إلا أنها خسرت جزءاً كبيراً من قاعدتها الإنتاجية مع إقفال مؤسسات أساسية كمعامل غندور، وتعطّل مصفاة النفط، والعديد من المصالح الاقتصادية، ما حرم آلاف الطرابلسيين من مصادر رزقهم وعمّق الأزمة الاجتماعية.
أما اليوم، فقد تحوّلت طرابلس في الخطاب السياسي والإعلامي إلى صورة نمطية تختصرها بالفقر أو التوترات والفوضى. هذا الظلم المعنوي لا يقل قسوة عن الظلم الاقتصادي، لأنه يسلب المدينة ثقتها بنفسها ويضعف موقعها في المعادلة الوطنية.
استعادة الروح والدور
استعادة طرابلس ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى قرار. قرار وطني يعترف بحق المدينة في تنمية عادلة، ويعيد الاعتبار لدورها الاقتصادي عبر المرفأ، والمنطقة الاقتصادية، ومصفاة النفط، والمعرض، والسياحة الثقافية والتراثية. كما تحتاج إلى إدارة محلية قوية ونزيهة تمتلك رؤية واضحة، وإلى صوت مدني فاعل يفرض أولويات الناس، لا مصالح الزعامات التي صادرت إرادة المواطنين بالمال والإعانات والوعود، مستغلّة فقرهم وعوزهم، ولم تقدّم لهم سوى المزيد من الحرمان..
طرابلس لم تمت، لكنها متعبة، روحها لا تزال حاضرة في ناسها، في أسواقها، وفي تاريخها. ما ينقصها هو من يعيد وصل هذا التاريخ بالمستقبل، ويحوّل المدينة من عنوان للحرمان إلى نموذج للإنصاف والنهضة والتنمية والازدهار.
