تزامناً مع قراءتك لهذه السطور، يشنّ مجهولون هجوماً جديداً من هجمات التزييف العميق (Deepfake) في مكان ما من العالم. فمنذ مطلع العام 2024، أصبحت هذه التهديدات الرقمية تتكرر بوتيرة هجوم واحد كل خمس دقائق. لقد تجاوزنا رسمياً ما يعرف بـِ "عتبة الواقع الاصطناعي"، وهي المرحلة التي عجزت فيها الحواس البشرية عن تمييز المحتوى الحقيقي من المزيّف في الوسائط الرقمية من دون الاستعانة بأدوات تقنية متخصّصة.
ما بدأ كظاهرة فضول تقني تطور سريعاً ليصبح أزمة أمنية واجتماعية عالمية. فبعد أن كان عدد ملفات التزييف العميق المتداولة يناهز نصف مليون ملف في العام 2023، قفز هذا الرقم ليبلغ 8 ملايين ملف بنهاية العام 2025. لم يعد هذا الأمر مقتصراً على نشر المحتوى المزيّف بهدف التسلية، بل تحول إلى وباء رقمي يستدعي إعادة صياغة جذرية لمفهوم الثقة الرقمية.
الذكاء الاصطناعي التوليدي مقابل التزييف العميق
قبل أيام، عبّر أحد الأصدقاء عن شعور بالاختناق من المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي الذي يحاصرنا من كل الجهات، معتبراً أن التمييز بين الأصلي والمزيّف بات مهمة مرهقة. لكن ثمة فرقاً جوهرياً بين الذكاء الاصطناعي التوليدي كأداة لابتكار محتوىً جديد وما نحن بصدد بحثه هنا. فالتزييف العميق هو توظيف خبيث لهذه القدرة التوليدية، إذ لا يكتفي بتوليد المحتوى الافتراضي، بل يتجاوز ذلك إلى انتحال الشخصية، محوّلاً التقنية من أداة بناء إلى أداة تزوير تجعل الأشخاص يقولون أو يفعلون ما لم يحدث أصلاً.
وحين تصبح هذه القدرة على التزييف سهلة ومتاحة، فإنها لا تعمل في فراغ، بل تتفاعل مع تحيزاتنا البشرية وديناميات القوة الثقافية. هنا يتجاوز الخطر مجرد "الخبر الكاذب" ليصل إلى مرحلة "ما بعد الأدلة"، حيث تصبح موثوقية أي دليل رقمي موضع تشكيك دائم. وهذا المناخ من الريبة العامة هو ما يمنح المذنبين مخرجاً يسمى "مكافأة الكاذب" (Liar’s Dividend)، إذ لم يعد عليهم إثبات براءتهم، بل يكفيهم استثمار هذا الشك العام لنفي الأدلة الحقيقية ووصفها بأنها "AI".
اتصال فيديو بقيمة 25 مليون دولار
في عالم الأعمال، حوّل التزييف العميق بروتوكولات العمل المعتادة إلى ثغرات أمنية قاتلة، إذ لم يعد المهاجمون بحاجة إلى مهارات اختراق معقدة، فكل ما يحتاجونه هو صوتك. يمكن للذكاء الاصطناعي اليوم استنساخ الصوت البشري (Vishing) بدقة تصل إلى 85 في المئة باستخدام ثلاث ثوان فقط من مقطع صوتي مأخوذ من منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أو من ندوة عبر الإنترنت.
أبرز مثال على ذلك وقع في أوائل عام 2024، حين قام موظف مالي في شركة Arup في هونغ كونغ بتحويل 25.6 مليون دولار إلى عصابة من المحتالين، وذلك بعد مشاركته في اجتماع عبر الفيديو حضره ظاهرياً المدير المالي ومديرون تنفيذيون آخرون، في حين لم يكن الحاضرون -باستثناء الموظف المخدوع- سوى انتحالاً رقمياً متقناً بتقنية التزييف العميق.
وتكمن المشكلة في "وهم الثقة". فقد وجد استطلاع أجري عام 2025 أن 99 في المئة من خبراء الأمن السيبراني واثقون من دفاعاتهم ضد التزييف العميق، لكن في الاختبارات العملية سجلت المؤسسات متوسط قدرة الكشف عن التزييف العميق 44 في المئة فقط. هذا التباين الصادم يفسر فداحة الخسائر العالمية الناجمة عن هذا النوع من الاحتيال، التي من المتوقع أن تبلغ 40 مليار دولار بحلول عام 2027.
الطبيعة الجندرية لسلاح التزييف
بينما تركز العناوين الرئيسية غالباً على السرقات التقنية الكبرى، فإن الاستخدام الأكثر انتشاراً وتدميراً للتزييف العميق ليس مالياً، بل شخصياً. تشير التقديرات إلى أن نحو 96 في المئة من مقاطع فيديو التزييف العميق على الإنترنت هي محتوى حميم غير رضائي (NCII)، أو ما يعرف بـ "المواد الإباحية المزيفة".
وتعكس التقارير البحثية أرقاماً صادمة تتعلق بحجم التزييف الذي تسببت به أداة Grok التابعة لشركة xAI. فقد قدّر مركز مكافحة الكراهية الرقمية (CCDH) أن الأداة أنتجت نحو ثلاثة ملايين صورة ذات طابع جنسي لنساء وأطفال خلال 11 يوماً فقط من إطلاق ميزة تعديل الصور الجديدة.
وهذه المسألة ليست تفصيلاً إحصائياً عرضياً، بل سلاحاً رقمياً موجهاً بصورة صارخة ضد النساء وصغار السن. وقد أثبتت قضايا الشخصيات العامة، مثل قضية تايلور سويفت في عام 2024 - حيث شوهدت صورة واحدة مزيفة 47 مليون مرة على منصة إكس قبل إزالتها - أن أكثر الشخصيات نفوذاً في العالم ليست محصنة تماماً.
لكن الأمر لم يقتصر على المشاهير، ففي مدرسة ويستفيلد الثانوية في ولاية نيوجيرسي استخدم الطلاب تطبيقات "التعرية" الآلية لمضايقة زميلاتهم ومعلماتهم. وتشير الإحصاءات إلى أن واحداً من كل عشرة مراهقين يعرف شخصاً تم استهدافه بصور عارية مزيفة. إن الكلفة النفسية هنا هائلة، إذ قد تؤدي إلى القلق والعزلة الاجتماعية وتدهور السلامة النفسية.
الردع القانوني
لقد بدأ القانون أخيراً في اللحاق بالكود البرمجي، إذ يشهد العالم حالياً تحولاً جذرياً في مواجهة هذا التهديد عبر تشريعات غير مسبوقة. ففي الولايات المتحدة بدأت الاستجابة تتخذ شكلاً أكثر حزماً. فقد وقّع الرئيس الأميركي في عام 2025 قانون TAKE IT DOWN لتجريم توزيع الصور الحميمية المزيفة وإلزام المنصات بإزالتها سريعاً، ثم مرّر مجلس الشيوخ في مطلع عام 2026 قانون DEFIANCE بالإجماع، بما يمكّن الضحايا من ملاحقة المتورطين مدنياً والمطالبة بتعويضات مالية كبيرة.
وعلى المنوال ذاته، خطى الإتحاد الأوروبي خطوة تاريخية عبر "قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي" الذي يفرض وسم المحتوى المولّد اصطناعياً بعلامات مائية واضحة وأخرى تشفيرية، تحت طائلة غرامات قد تصل إلى 7 في المئة من الدخل العالمي للشركات.
ولم تكن المنطقة العربية بمعزل عن هذا الحراك. فبينما كشفت بيانات شركة (Sumsub) عن قفزة حادة بلغت 600 في المئة في حوادث التزييف العميق في السعودية، وهي ممارسات تعدّ جريمة بموجب "قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية"، كانت الأطر القانونية في الإمارات والكويت جاهزة أيضاً للمواجهة، سواء عبر "المرسوم الاتحادي رقم 34" في الإمارات الذي يصنّف التزييف العميق ضمن نطاق الجرائم الإلكترونية المرتبطة بالاحتيال وانتحال الصفة ويفرض غرامات قد تصل إلى مليون درهم، أو عبر "القانون رقم 63" في الكويت الذي يصنّف التزييف تزويراً وتشهيراً يستوجب الملاحقة الجنائية، بما يضمن حماية كرامة الأشخاص في الفضاء الرقمي.
ولأن التكنولوجيا وحدها لن تنقذنا، يتعيّن علينا تطوير "الوكالة المعرفية" (Epistemic Agency)، وهي القدرة على التحقق عبر المنطق والاستناد إلى السياق بدلاً من الركون إلى الحواس المجرّدة. ولعل ما تداوله اللبنانيون مؤخراً يلخص هذه الضرورة، إذ انتشرت صورة لضبع قيل إنه دخل مقهى في عكار ليتناول الطعام من يد صاحب المقهى. لكن بعيداً عن شعار Gemini الواضح أسفل الصورة، ثمة ما هو أهم من التحقق التقني، وهو التحقق العلمي، فالضبع الظاهر في الصورة كان أفريقياً مرقّطاً، في حين أنَّ الضبع اللبناني الخجول المخطّط لا يجرؤ أبداً على دخول المقاهي!
