قطر… الشقيق الحاضر في عزّ الأزمات والانهيار

نغم ربيعالأحد 2026/01/25
5.jpg
تستعد قطر لمشروع إنشاء محطة كهرباء تعمل بالغاز الطبيعي بقدرة تصل إلى 700 ميغاواط (فضل عيتاني)
حجم الخط
مشاركة عبر

في بلدٍ اعتاد أن تمتلئ ساحته بالبيانات، وتتنافس فيه المبادرات على العناوين، يلفت الانتباه نمطٌ مختلف من الحضور: دعمٌ لا يُقاس باللحظة، ولا يُستنفد في صورة أو تصريح، بل يتراكم بصمت، ويعود كلما اشتدّت الحاجة. من بين الدول التي اختارت هذا المسار، تبرز قطر.

 

محطات عدّة

لم تحصر قطر علاقتها بلبنان بمحطة واحدة، ولا بأزمة بعينها، بل نسجت على مدى عقود شبكة دعم متشعّبة، طالت الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والبنى الاجتماعية، والمؤسسة العسكرية، وصولًا إلى أكثر الملفات حساسية، كالكهرباء والطاقة.

ليس من المبالغة القول إن تاريخ المساعدات القطرية للبنان يسير بالتوازي مع تاريخ أزماته. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، شاركت الدوحة في جهود إعادة إعمار ما بعد الحرب الأهلية، وكانت حاضرة في مؤتمرات الدعم الدولية، وفي مشاريع الإغاثة والتنمية، في وقتٍ كان فيه الاستقرار اللبناني هشًا ومفتوحًا على كل الاحتمالات.

بعد حرب تموز 2006، ترجمت قطر تضامنها بخطوات عملية، فخصّصت نحو أربعة ملايين دولار لإعادة إعمار بنت جبيل، إلى جانب تنفيذ "قطر الخيرية" مشاريع تنموية في عدد من قرى الجنوب.

 

واليوم، من جديد تُبدي دولة قطر استعدادها للمساهمة في إعادة إعمار القرى الجنوبية المتضرّرة، عبر مقاربة تتجاوز المساعدات الآنية، لتشمل وضع مخططات توجيهية متكاملة، وتأمين المتطلّبات التقنية واللوجستية اللازمة لعملية الإعمار.

 

الأزمة المالية وانفجار المرفأ

ثم جاءت المرحلة الأصعب مع الانهيار المالي. ففي عام 2019، وفي لحظة كان فيها لبنان يُستبعد من الأسواق ويُعاقَب بالعزلة، استثمرت قطر قرابة 500 مليون دولار في سندات الخزينة اللبنانية، في خطوة هدفت إلى دعم الاقتصاد والحدّ من الانزلاق السريع. لم يكن ذلك التزاماً مفروضاً، بل خياراً سياسياً واقتصادياً وأخويًا أوضح الدلالة.

وفي الرابع من آب 2020، حين انفجرت بيروت، حضرت قطر منذ الساعات الأولى: فرق بحث وإنقاذ، جسر جوي، خمس طائرات محمّلة بالمساعدات، مستشفيات ميدانية، ودعم مباشر للقطاع الصحي. لاحقًا، أعلنت الدوحة التزامها بتقديم 50 مليون دولار خلال مؤتمر باريس لإعادة إعمار بيروت، خُصّص جزء أساسي منها للقطاع التربوي، عبر ترميم 55 مدرسة، و20 مركزًا مهنيًا، وثلاث جامعات كبرى، بينها الجامعة اللبنانية.

في التعليم، لم يكن الدعم ظرفيًا. من ترميم الأبنية المتضرّرة، إلى دعم الأساتذة، إلى برامج المنح الجامعية، وصولًا إلى تخريج عشرات الطلاب اللبنانيين من الجامعة الأميركية في بيروت ضمن برامج "التعليم فوق الجميع" و"صندوق قطر للتنمية". مقاربة تعتبر التعليم استثمارًا طويل الأمد في مجتمع يتآكل.

وفي القطاع الصحي، تولّت قطر دعم المستشفيات الحكومية والخاصة، تأمين المازوت للمرافق الحيوية، وتجهيز عدد من المستوصفات بالطاقة الشمسية، إضافة إلى التدخل في كل محطة طارئة، من جائحة كورونا إلى تداعيات الحروب الأخيرة.

 

مساعدات اجتماعية

أما في الشأن الاجتماعي، فكان التركيز على الفئات الأكثر هشاشة. مشروع "الطريق إلى الاستقرار" شكّل نموذجًا لذلك، عبر تقديم مساعدات نقدية مباشرة لآلاف العائلات اللبنانية المتضرّرة من الحرب، بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية والهلال الأحمر القطري. أكثر من 3325 عائلة استفادت من دعم شهري في مرحلة تُعدّ من الأصعب اجتماعيًا.

ولم يُستثنَ اللاجئون السوريون في لبنان من الدعم القطري، إذ شملت المساعدات القطرية مشاريع سبل العيش، والتعليم، وتمكين النساء، بالشراكة مع منظمات دولية، في مناطق تُعدّ من الأكثر تهميشا.

في المقابل، حاز الجيش اللبناني حيّزًا خاصًا. من هبات مالية لدعم الرواتب، إلى اتفاق لتزويد المؤسسة العسكرية بالمحروقات في لحظة كاد فيها المخزون ينفد، في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لقدرة الجيش على الاستمرار والقيام بمهامه.

وفي قطاع النقل، تسلّم لبنان مؤخرا 30 حافلة مقدّمة من وزارة المواصلات القطرية، خطوة قد تبدو محدودة في حجمها، لكنها تحمل دلالة واضحة في بلد تتآكل فيه الخدمات العامة.

 

مشاريع في الكهرباء

حديثًا، دخلت قطر على خطّ أحد أكثر الملفات اللبنانية تعقيدًا: الكهرباء. عرض تقني-مالي متكامل، يشمل شحنات غاز عاجلة، ومشروع إنشاء محطة كهرباء تعمل بالغاز الطبيعي بقدرة تصل إلى 700 ميغاواط. مقاربة تتجاوز منطق الإسعاف المؤقت، نحو رؤية طويلة الأمد لقطاع شكّل لعقود إحدى بوابات الفساد والانهيار.

كل ذلك، وأكثر، بات اليوم مُؤطَّرًا ضمن عمل مؤسسي واضح، مع افتتاح مكتب دائم لـ"قطر الخيرية" في بيروت، وخطة لتنفيذ أكثر من 70 مشروعًا يُتوقّع أن يستفيد منها نحو 400 ألف شخص

في بلدٍ غارق في الانقسامات والمناكفات، وفي لحظة سياسية خانقة، تواصل قطر فعل ما لم يتوقف يومًا: الوقوف إلى جانب لبنان، لا فوقه، ولا عليه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث