ستّ وفيات بشهر واحد في سجون لبنان: الإهمال كـ"حكمٍ بالإعدام"

بتول يزبكالأحد 2026/01/25
GettyImages-461435908.jpg
بعد ساعاتٍ من وفاة سجينٍ في القبة، سجلت وفاةٌ ثانيةٌ في أقل من 24 ساعة. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في كانون الثّاني 2026 وحده، سجّلت ستّ وفياتٍ داخل السّجون اللّبنانيّة. ستّة أسماءٍ أضيفت إلى سجلٍّ طويلٍ من "الموت البطيء" الذي لا يحتاج إلى رصاصٍ ولا إلى أحكام إعدامٍ كي يتحقّق، بل يكفيه الاكتظاظ، وغياب الرّعاية الصّحّيّة، وتأخير نقل المرضى، وتعطّل القضاء، وتحوّل التّوقيف الاحتياطيّ إلى عقوبةٍ مفتوحة.

في الشّهر الأوّل من العام، توفّي كلٌّ من، ميشال صادر (لبنانيّ)، يوسف الحمد (سوريّ)، محمّد حرقوص (لبنانيّ)، عليّ غادر (لبنانيّ)، عبد الرّحمن الحسن (لبنانيّ)، ومرسل عليّ حسون نصر (سوريّ). وبين اسمٍ وآخر، تتكرّر العناصر نفسها، موقوفون ينتظرون محاكمةً لا تأتي، مسنّون وأصحاب أمراضٍ مزمنةٍ خلف أبوابٍ لا تفتح إلّا متأخّرةً، ونظامٌ صحّيّ داخل السّجون يكاد يكون شكليًّا.

 

القبّة في طرابلس: ثلاث ساعات صراخٍ انتهت بجثّة

في سجن "القبّة" بطرابلس، توفّي الموقوف اللّبنانيّ المسنّ عبد الرّحمن الحسن (أبو راجي)، ابن عكّار، بعد تدهور حالته، فيما كان رفاقه يصرخون ويطرقون الأبواب لساعاتٍ طلبًا للإسعاف. الرّواية الّتي يتداولها سجناء من داخل السّجن تختصر الواقع المعاش، لم تفتح الأبواب إلّا بعدما توفي. في لحظةٍ كهذه، لا يعود السّؤال عن سبب الوفاة وحده كافيًا، بل عن سبب التّأخّر في الاستجابة أصلًا، من يقرّر أنّ الصّراخ ليس طارئًا؟ أمّا الأشدّ فداحةً أنّ "أبا راجي" أمضى قرابة ثماني سنواتٍ من دون محاكمة، في بلدٍ يفترض أنّ التّوقيف الاحتياطيّ فيه إجراءٌ استثنائيٌّ لا قاعدة. حين يموت موقوفٌ لم يدن بعد، لا يكون الحدث مجرّد وفاةٍ داخل السّجن، بل فشلًا مزدوجًا، فشلٌ في حماية الحقّ بالحياة، وفشلٌ في ضمان الحقّ بمحاكمةٍ عادلةٍ ضمن مهلةٍ معقولة.

بعد ساعاتٍ من وفاة سجينٍ في القبّة، سجّلت وفاةٌ ثانيةٌ في أقلّ من 24 ساعة، هذه المرّة في سجن روميّة. مرسل عليّ حسون نصر، سوريّ الجنسيّة، من مواليد 1940 (اسم الأم، سليمة)، موقوفٌ منذ عام 2000 ومحكومٌ بالمؤبّد، توفّي بعدما أمضى سنواته الأخيرة داخل منظومةٍ عاجزةٍ عن التّعامل مع كبار السّنّ والمرضى. في حالاتٍ كهذه، تصبح مسألة "الاستشفاء" ليست تفصيلًا إداريًّا، بل شرطًا للحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانيّة. والحال غإنَّ مسارَ الوفيّاتِ لا ينفصل عن أزمتَي الاستشفاء والغذاء داخل السّجون، إذ تعجز الجهات الأمنيّة عن تسديد نفقاتِ المستشفيات عند الحاجة، وتتعطّل الاستجابة الطبيّة بفعلِ نقص الأدوية وإضرابات الأطبّاء والممرّضين المتعاقدين بسبب بدلاتِ الخدمة المتدنّية، فيما يضطرّ السجين إلى تأمين دوائه من الخارج عبر وصفةٍ تمرّ بإجراءاتِ أذوناتٍ قد تستغرق أيّامًا، وغالبًا من دون جدوى في ظل فراغِ صيدليّات السجون. وفي الغذاء، تتحدّث التقارير عن تقنينٍ في الوجبات ورداءةٍ في النوعيّة، وعن منعٍ متكرّر لإدخال الطعام من العائلات بحجّة الممنوعات، ما يترك النزلاء بين وجباتٍ غير كافية و"حانوت" داخليّ مرتفع الأسعار، فتغدو القدرة على الأكل والدواء امتيازًا مرتبطًا بزيارةٍ أو تحويلٍ ماليّ لا يملكه كثيرون.

 

انتحار عليّ غادر: اليأس كسببٍ مباشرٍ للموت

وفي 18 كانون الثّاني 2026، أقدم الموقوف عليّ غادر (36 عامًا) على الانتحار داخل مبنى الأحداث في سجن روميّة، بعد سنواتٍ من التّعليق بين توقيفٍ طويلٍ ومحاكمةٍ لا تتحرّك، وفق ما نقل عن "لجنة أهالي السّجناء في لبنان" وشهاداتٍ من داخل السّجن. هذه الواقعة لا يمكن فصلها عن السّياق الأوسع، حين يصبح التّأخير القضائيّ نمطًا، يتحوّل الوقت إلى عقوبةٍ إضافيّةٍ غير منصوصٍ عليها في أيّ حكم. وحين يختنق الموقوف نفسيًّا داخل اكتظاظٍ وحرمان، يصبح "اليأس" عامل خطرٍ فعليًّا، لا فقط شعور شخصيّ.

حتّى في الحالات التي لا تنطبق عليها المدّة القصوى للتوقيف المنصوص عليها في المادّة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة، يبقى المبدأ ثابتًا، حقّ الموقوف في المثول أمام قاضٍ ضمن مهلةٍ معقولةٍ أو الإفراج عنه. وهذا ليس مطلبًا سياسيًّا ولا منّةً إداريّة، بل حقٌّ منصوصٌ عليه في المادّة 9 من العهد الدّوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسّياسيّة، وفي روح التّشريعات الوطنيّة التي تعتبر الحرّيّة هي الأصل والتّوقيف هو الاستثناء.

لكنّ واقع المحاكمات في السّنوات الأخيرة أفرغ هذا المبدأ من مضمونه. اعتكاف المساعدين القضائيّين، تعثّر عمل القضاة، إضرابات المحامين، غياب التّمثيل القانونيّ لعددٍ كبيرٍ من المتّهمين، وتعطّل سوق الموقوفين من السّجون إلى قصور العدل، كلّها عوامل تجعل الملفّ القضائيّ يتوقّف عمليًّا بينما يبقى الجسد في السّجن. هكذا تتحوّل "الإجراءات" إلى آلة إنتاجٍ للانتظار، وتتحوّل الزّنزانة إلى عقوبةٍ قبل الإدانة.

 

الاكتظاظ والرّعاية الصّحّيّة، أرقامٌ تشرح لماذا يموت النّاس بسهولة

تقديراتُ الجهاتِ المعنيّة تُشيرُ إلى نحو 9100 سجينٍ موزَّعين على 25 سجنًا و29 نظارة، 48% منهم غيرُ لبنانيّين، فيما 83% من مجمل السجناء موقوفون غيرُ محكومين، ويُذكر أنّ نحو 1200 سجينٍ قدّموا طلباتِ إخلاءِ سبيلٍ لم يُبتَّ بها بعد، وأنّ السوريّين يُشكّلون النسبةَ الأكبر من غير اللبنانيّين، 2075 سجينًا، 350 فقط محكومون. وفي روميّة يتجاوز الاكتظاظ حدودَ أيّ منطق، نحو 4000 سجينٍ في سجنٍ لا تتعدّى سعته القصوى ألفًا، أي قرابة 340% اكتظاظًا. في موازاة ذلك، تُحذّر تقارير منظّمة العفو الدوليّة من أنّ الاكتظاظ المزمن، وطول فترات التوقيف الاحتياطي، وتدهور الخدمات الأساسية داخل أماكن الاحتجاز، عواملُ تُفاقم المخاطر على حياة السجناء، وقد دعت إلى الإسراع في مراجعة ملفات الموقوفين وإطلاق سراح من أمضوا محكوميّاتهم أو من لا تُبرّر دواعي احتجازهم، وإلى تحقيقاتٍ مستقلّة في الوفيّات داخل الحجز بدل التعامل معها كوقائع عابرة.

وهذه الأرقام هي تفسيرٌ مباشرٌ لانهيار شروط الصّحّة العامّة، قلّة الأطبّاء والممرّضين، غياب مستشفى ميدانيّ، ضعف النّظافة، نقص الدّواء، وتأخّر النّقل إلى المستشفيات. ومع كلّ تأخيرٍ في القضاء، يزداد الاكتظاظ. ومع كلّ اكتظاظٍ، تتراجع قدرة أيّ فريقٍ طبّيٍّ أو أمنيٍّ على الاستجابة، ويصبح المرض العاديّ خطرًا، والحالة المزمنة حكمًا مؤجّلًا بالموت.

 

المخدّرات داخل السّجون: اقتصادٌ موازٍ وعنفٌ محميّ

إلى جانب الطّعام والاستشفاء، تتضخّم أزمةٌ أخرى داخل السّجون، المخدّرات. في شهادةٍ لسجين تحدّث مع "المدن"، قال إنّ تجارة المخدّرات باتت شبه منظّمةٍ داخل بعض السّجون، تديرها "عصابةٌ من التّجّار" توزّع الموادّ، فيما يلجأ بعض المدمنين إلى حقن الهيروين في أعضائهم التناسليّة بعد انسداد شرايين أيديهم. وأضاف أنّ هؤلاء التّجّار "يحظون بغطاءٍ خاصّ" ولا يتردّدون في ترويع السّجناء الآخرين، وأنّهم ابتكروا "تجارات" موازيةً، بينها فكّ بلاط الأرض وتأجيره للسّجناء كوساداتٍ للنّوم.

 

حين يصبح الموت خبرًا أسبوعيًّا

الخطير في مشهد كانون الثّاني 2026 ليس عدد الوفيّات وحده، بل اعتيادها. أن يتحوّل خبر وفاة سجينٍ إلى خبرٍ "يتكرّر أسبوعيًّا" يعني أنّ المجتمع والدّولة يعتادان فقدان النّاس داخل أماكن احتجازٍ يفترض أنّها تخضع للقانون. في هذا الاعتياد، تختفي المسؤوليات، مسؤوليّة وزارة الدّاخليّة وإدارة السّجون عن شروط الاحتجاز، مسؤوليّة وزارة الصّحّة عن الحقّ في العلاج، مسؤوليّة القضاء عن المهل والمحاكمات، ومسؤوليّة الدّولة بمجملها عن حماية الحقّ بالحياة ومنع المعاملة القاسية أو اللّاإنسانيّة أو المهينة.

ستّ وفياتٍ في شهرٍ واحد ليست "قدرًا". هي نتيجة مسارٍ واضح: سجونٌ مكتظّة، قضاءٌ متعطّل، صحّةٌ منهارة، ورقابةٌ غائبة. والأسماء الستّة في كانون الثّاني 2026 ليست نهاية اللائحة، بل إنذارٌ جديدٌ بأنّ الاستمرار في إدارة السّجون بمنطق الإهمال سيعني مزيدًا من الموت "المجّانيّ" خلف القضبان.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث