رغم أن الأسباب واضحة للعيان، لم تتضح تفاصيل رفض الجامعة الأميركية في بيروت دخول المقررة الخاصة لمجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، فرانشيسكا ألبانيزي، إلى حرم الجامعة لعقد مؤتمر صحافي وإطلاق فعاليات زيارتها إلى لبنان، بعدما كانت مقررة الأسبوع المقبل. فلا الجامعة أصدرت أي بيان توضيحي، ولا مركز دراسات أرض فلسطين (PLSC) الذي كان يفترض أن ينظم لها اللقاء، أوضح الملابسات.
حرج الخوف من العقوبات
الطرفان محرجان في هذه القضية لا سيما أنه سبق وأعلنت الولايات المتحدة الأمريكية فرض عقوبات على ألبانيزي، وذلك على خلفية "جهودها المستمرة لدفع المحكمة الجنائية الدولية إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد مسؤولين وشركات ومديرين تنفيذيين من الولايات المتحدة وإسرائيل".
الجامعة الأميركية محرجة بطبيعة الحال، خوفاً من خسارة التمويل، لكن لم يعرف موقف مركز دراسات أرض فلسطين بعد. وكل الجهات التي تواصلت مع المعنيين فيه لم تلق أي جواب رسمي. وربما سبب الصمت هو أن "المركز" منشأ في حرم الجامعة الأميركية منذ نحو ثلاث سنوات، بغية دراسة مسائل الأرض والسكان والتاريخ والجغرافيا الفلسطينية.
محاضرة في اليسوعية
الأمر لم يقتصر على الجامعة الأميركية. فاستقبال ألبانزي في حرم مركز حقوق الإنسان في الجامعة القديس يوسف (اليسوعية) لم يحسم بدوره بعد. لكن مصادر إدارية في اليسوعية أكد لـ"المدن" أن محاضرة البانيزي في حرم الجامعة مقررة منذ مدة. فلألبانيزي صفة رسمية في الأمم المتحدة، واليسوعية لديها تعاون مع عدة جهات في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لا سيما بما يتعلق بحقوق الإنسان. وحتى اللحظة لا تزال المحاضرة قائمة في موعدها المقرر يوم الخميس المقبل.
وبحسب معلومات "المدن" تأجلت زيارة ألبانيزي إلى لبنان أكثر من مرة، وكذلك جرى إلغاء زيارتها إلى الأردن لأنها موضوعة على لائحة العقوبات الأميركية ويحظر التعامل معها. وبعد رفض "الأميركية" تأجلت الزيارة وكان يفترض أن تحصل يوم الخميس المقبل وهي تتضمن، إلى جانب المؤتمر الصحافي والمحاضرة في جامعة القديس يوسف، زيارة بعض المسؤولين اللبنانيين، وعرض فيلم يوثق سيرتها. لكن لم يحصل الفيلم على إذن عرضه من الأمن العام بعد. لذا تقرر تأجيل الزيارة إلى نحو أسبوعين آخرين.
العقوبات الأميركية
وتجدر الإشارة إلى أنه سبق واعتبرت إسرائيل ألبانيزي، منذ تعيينها عام 2022، شخصًا معاديًا لها، ورفضت تمديد ولايتها لفترة ثانية العام الفائت. لكن الأمم المتحدة عادت وجددت لها العقد لثلاث سنوات، واعتبر المندوب الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون أن هذا التمديد "عار وبقعة سوداء في الأمم المتحدة".
كما سبق ومارست الإدارة الأمريكية ضغوطاً على الأمين العام للأمم المتحدة لإقالة ألبانيزي، متهمةً إياها بـ"معاداة سامة للسامية ودعم الإرهاب". وتواصلت الضغوط إلى حين تقديم ألبانيزي تقريرها في تموز الفائت حول قائمة الشركات الأميركية والإسرائيلية تدعم الدولة العبرية في حربها على غزة. واعتبرت ألبانيزي حينها أن "هذه الشركات ليست ضالعة في الاحتلال فحسب، بل قد تكون ضالعة أيضًا في اقتصاد الإبادة الجماعية". لذا وضعت الإدارة الأميركية المسؤولة الأممية على لائحة العقوبات.
"الأميركية" تعترف وتوضح
عقب الضجة التي أحدثها رفض "الأميركية" طلب استضافت ألبانيزي، عادت وأصدرت الجامعة بياناً أوضحت فيه أسباب الرفض.
وجاء في البيان: "تأتي هذه الرسالة للرد على ادعاءات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي تزعم أن إدارة الجامعة الأميركية في بيروت منعت المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة، فرانشيسكا ألبانيزي، من إلقاء كلمة في الحرم الجامعي. إن هذه الادعاءات غير دقيقة وتسيء تمثيل حقيقة ما جرى. لم يكن هناك أي نشاط مخطَّط له ثم جرى إلغاؤه.
تلتزم الجامعة الأميركية في بيروت بحرية التعبير والانفتاح الفكري. وفي الوقت نفسه، وباعتبارها مؤسسة تعمل عبر الحدود، فهي ملزمة بالامتثال للقوانين والأنظمة المعمول بها.
والحقائق هي على النحو الآتي: تخضع السيدة ألبانيزي، مثل أي شخص يُدعى لإلقاء محاضرة أو تقديم عرض في الجامعة، لإجراءات التدقيق القياسية. وبما أن الجامعة الأميركية في بيروت تعمل بموجب ميثاق صادر عن دائرة التعليم في ولاية نيويورك، فهي ملزمة بالامتثال لقوانين كلٍّ من لبنان والولايات المتحدة. وبموجب القانون الأميركي، يجب فحص جميع الأفراد والجهات التي تتعامل معها الجامعة مقارنةً بقائمة الأشخاص والكيانات الخاضعين لعقوبات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية.
وبناءً عليه، تُتخذ القرارات المتعلقة بالفعاليات داخل الحرم الجامعي استنادًا إلى الامتثال القانوني، وليس إلى الاتفاق أو الاختلاف مع آراء أي فرد. ونظرًا لأن السيدة ألبانيزي خاضعة لعقوبات من الحكومة الأميركية ومُدرجة على قائمة SDN، لم يكن بإمكان الجامعة دعوتها من الناحية القانونية. وبوجه عام، فإن عدم الالتزام بهذه الأنظمة من شأنه أن يعرّض الجامعة لمخاطر مؤسسية جسيمة، بما في ذلك عواقب قانونية محتملة على الموظفين، ويقوّض قدرة الجامعة على الاستمرار في أنشطتها الأكاديمية الأساسية، بما في ذلك دعم الطلاب وأبحاث أعضاء هيئة التدريس التي تفيد المنطقة الأوسع.
رؤيتنا، تخدم الجامعة شعوب الشرق الأوسط وما بعده من خلال ترسيخ قيمنا المشتركة في حرية الفكر والتعبير، والتسامح، والنزاهة، واحترام التنوع والحوار، ومن خلال توفير الفرص لجميع أفراد مجتمعها، ولا سيما الأقل حظًا. ونحن نرحّب بالحوار المحترم وتعدد وجهات النظر ونشجّعهما، غير أننا ملزمون بالامتثال للقانون من أجل حماية المؤسسة ومجتمعها ورسالتها".
