غادرت عشرات العائلات منازلها في مناطق الاشتباكات الدائرة في عين عيسى والرقة والطبقة وأرياف الحسكة وتل تمر متجهةً إلى مناطق أخرى يرونها أكثر أماناً، مثل مدينة القامشلي والمالكية على الشريط الحدودي مع تركيا.
"هي المرة الثالثة التي أعيش فيها أنا وعائلتي مشقة النزوح والتنقل، بعد هروبنا من عفرين إلى الحسكة والآن إلى مدينة القامشلي"، هذا ما يقوله الرجل الستيني زياد خضر في حديثه لـ"المدن"، مضيفاً: "رحلة النزوح بدأت منذ 3 سنوات تقريباً إلى مركز إيواء في مدينة الحسكة. واليوم وبعد ازدياد التوترات الأمنية بين قسد والجيش السوري، أردنا الهروب من أصوات الرصاص والقذائف وتوجهنا إلى مدينة القامشلي. نحن هنا منذ 5 أيام نقيم في مركز يفتقر للكثير من الخدمات ولا نعرف الجهة التي علينا التوسّل إليها للنظر في حالنا".
المهلة.. والخوف من انتهاءها
منحت الحكومة السورية مهلة أربعة أيام للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا للنظر بالاتفاق الأخير الذي يصفه البعض بالتاريخي في المنطقة. فهل يدخل الجيش السوري عسكرياً إلى مركَزَي مدينَتَي القامشلي والحسكة بالقوّة، أم يُطبق الاتفاق وننتقل لمرحلة التطبيق دون دماء وبرحابة صدر.
الشارع الجزراوي اليوم مقسوم إلى قسمين. يقف القسم الأول من الأهالي مع "قسد" ويرحب بالنفير العام وحمل السلاح في الجبهات والأحياء، بينما يغلب على القسم الثاني لغة العقل والتفاهم والعودة للعيش بسلام وطمأنينة تحت المظلة السورية بعد كل هذه القطيعة.
السيد وليد كلش أبٌ لثلاثة أطفال، نازحٌ من مدينة الطبقة إلى مدينة القامشلي يوجه نداءه عبر "المدن" لكل المعنيين في الإدارة الذاتية، وقسد تحديداً، لإلقاء السلاح والشروع بإعمار هذا البلد والالتفات إلى قضايا أهم من " التخوين" حسب تعبيره: "هناك الكثير من المخطوفين والأسرى لا نعرف عنهم شيئاً، والمئات من الخيم ومراكز الإيواء يعيش فيها الأهالي معاناة يومية آن لها أن تتنفس الحرية بعد سقوط نظام الأسد".
ويطالب السيد علي محمد النازح، هو الآخر من الطبقة إلى أحد مراكز الإيواء في مدينة القامشلي(مدرسة عبد المسيح حيداري) بـ"التدخل الفوري وتقديم الرعاية لهذه الأسر الوافدة من مياه وصيانة للصرف الصحي والتدفئة كونه لا يعرف المدة التي سيقضيها في هذا المركز بعد ترحيله من مركز الملعب البلدي نظراً لازدياد الأعداد".
لا صوت يعلو فوق هذه المطالب في مراكز الإيواء، حيث يعاني الأهالي من البرد والصقيع. لكن تبرر السيدة "جاندا"، مسؤولة أحد " الكومينات"، وجهة النظرة الثانية المتمثلة بالتحلي بالصبر وتحمل كل هذه المآسي للحفاظ على مكاسب مشروع الإدارة الذاتية. وتعتبر أن هذه الظروف استثنائية، لكن مع تدخل المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية سيصار إلى تأمين هذه الاحتياجات على دفعات.
يعيش أهالي مدينتي القامشلي والحسكة مرحلة ترقب حذر، وسط حظر تجوال فرضته الإدارة الذاتية من السابعة مساء حتى السابعة صباحاً. وتحولت هذه المدن إلى مدينة أشباح ليلاً مع سماع أصوات الرصاص المتفرقة من هنا وهناك، بينما لا يزال الإغلاق المطبق على جميع المعابر المؤدية إلى الجزيرة السورية والذي فرضته الإدارة الذاتية قبل أيام عامل ضغط إضافي على كل مفاصل الحياة، وسط الخوف المستمر من نفاذ كميات الوقود والطحين، وبهذا لن تكون هذه الفترة سوى مرحلة كسر عظم يدفع ضريبتها الأهالي العزل.
