كرامي في الدوحة: تعاون تربوي واهتمام قطري بالخبرات اللبنانية

نغم ربيعالجمعة 2026/01/23
Image-1769158550
تقدر قطر الكفاءات اللبنانية في مجالات تطوير المناهج التعليمية وإدارتها (وزارة التربية)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تكن زيارة وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي إلى دولة قطر نتاج مصادفة دبلوماسية، ولا محطة بروتوكولية عابرة في جدول مزدحم. الزيارة أُعدت رسميًا، وجاءت ثمرة تنسيق مسبق مع الجانب القطري، وخصوصًا مع وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي السيدة لولوة الخاطر، التي كانت قد زارت لبنان في نيسان الماضي، فاتحةً مسارًا جديدًا لإعادة تنظيم العلاقات التربوية بين البلدين. في هذا السياق، بدت الزيارة امتدادًا طبيعيًا لحوار بدأ في بيروت، وانتقل إلى الدوحة محمّلًا بأسئلة التعليم، وإمكاناته، وحدوده، في بلدٍ كلبنان يعيش واحدة من أطول أزماته التربوية منذ العام 2019.

 

تثبيت الشراكة

خلال اللقاء الرسمي الذي جمع وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي بنظيرتها القطرية السيدة لولوة الخاطر، في حضور سفير لبنان في الدوحة بلال قبلان، إلى جانب الإدارات والمستشارين، جرى عرضٌ شامل لمسار العلاقات التربوية والجامعية بين البلدين، وتقييم نتائج الزيارات المتبادلة، وصولًا إلى مناقشة مسودة مذكرة التفاهم بين الوزارتين في مجال التعليم العام في لبنان.

 

وتتضمّن المذكرة بنودًا تتعلّق بتعزيز الاهتمام باللغة العربية، والتعاون من أجل تطوير السياسات التعليمية بهذه اللغة، في ظل التحديات التي تواجه حضورها في دول الخليج، نتيجة توسّع التعليم باللغات الأجنبية. لذا، أحد أهداف التعاون إعادة اللغة العربية إلى موقعها المركزي في العملية التربوية.

 

كما تنص المذكرة على تبادل الخبرات التربوية، انطلاقًا من تقدير الجانب القطري للكفاءات اللبنانية، ولا سيّما في مجالات تطوير المناهج التعليمية، وإدارتها، وبناء البرامج التربوية، مع الاستفادة من الخبرات اللبنانية في دعم جهود تطوير المناهج في قطر، إلى جانب فرق العمل المحلية.

 

تبادل طلابي

وفي هذا الإطار، جرى البحث في فتح آفاق أوسع أمام الطلاب القطريين للالتحاق بالجامعات اللبنانية، من خلال تسهيل الإجراءات الإدارية واللوجستية، بما يعزّز الحراك الأكاديمي بين البلدين ويعيد تنشيط موقع الجامعات اللبنانية في الفضاء التعليمي العربي.

 

وبحسب المعطيات، باتت مذكرة التفاهم في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة لتحديد مضمونها، تمهيدًا لتوقيعها. وستترافق مع برنامج تنفيذي ينقل التعاون من مستوى التفاهمات العامة إلى مستوى السياسات القابلة للتنفيذ، في مجالات التعليم المدرسي، والتعليم العالي، والتدريب المهني، وبناء القدرات.

 

ويجري العمل على استكمال مذكرة سابقة موقّعة بين البلدين في مجال التعليم العالي أيضا، أفضت إلى اتفاقيات عملية تتعلّق بتبادل الطلاب الجامعيين، إضافة إلى مذكرة تعاون في مجال البحث العلمي موقّعة سابقًا مع دولة قطر. ويعوَّل الجانبان على تفعيلها وتطوير آليات تنفيذها، بما يواكب تطلّعات الطرفين ويرتقي بالشراكة التربوية إلى مستويات أكثر تقدّمًا واستدامة.

 

مؤتمر ICSEI: حضور لبنان في نقاش عالمي

تزامنت الزيارة مع مشاركة الوزيرة كرامي في المؤتمر الدولي التاسع والثلاثين لفاعلية تحسين المدارس (ICSEI 2026)، الذي نظمته وزارة التربية والتعليم العالي في قطر، بمشاركة أكثر من 500 من القيادات التربوية وصنّاع السياسات والباحثين من مختلف أنحاء العالم.

 

تحت شعار "تجاوز الحدود في التعليم: تعزيز بيئات تعلم مبتكرة وشاملة ومستدامة"، أتاح المؤتمر للبنان مساحة حضور في نقاش عالمي حول إصلاح التعليم، في وقت لا يزال فيه هذا القطاع في الداخل اللبناني يرزح تحت ضغط الأزمات المالية، والاضطرابات الأمنية، وتفاوت فرص التعلّم بين المناطق، وبين القطاعين العام والخاص.

 

صندوق قطر للتنمية: من الدعم إلى الاستثمار التربوي

على جدول أعمال الزيارة، برز اللقاء مع المدير العام لصندوق قطر للتنمية الدكتور فهد السليطي، حيث جرى البحث في إمكانات التعاون ودعم مشاريع وزارة التربية اللبنانية.

اللقاء لم يُقرأ بوصفه محطة تمويلية تقليدية، بل كجزء من مقاربة قطرية أوسع ترى في التعليم استثمارًا طويل الأمد، لا مجرّد استجابة ظرفية. وهو ما ينسجم مع شبكة الصناديق والمؤسسات القطرية الداعمة للتعليم، من الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي، إلى مؤسسة "التعليم فوق الجميع"، التي تُعدّ من أبرز الجهات العالمية في دعم التعليم في البلدان المتضرّرة تربويًا.

 

المدرسة اللبنانية في الدوحة: هوية تُدرَّس ولا تُحنَّط

في بعد رمزي وعملي في آن، زارت الوزيرة كرامي المدرسة اللبنانية في الدوحة، إحدى أعرق المؤسسات التعليمية، والتي تشكّل نموذجًا متقدمًا في تعليم أبناء الجالية اللبنانية، مع الحفاظ على الهوية الثقافية والانتماء الوطني. وجالت كرامي في الصفوف، وتحدثت مع المتعلمين، واطلعت على مسار العمل التربوي، مهنئة الإدارة والأسرة التعليمية على الأداء الأكاديمي المتقدّم. 

لم تخلُ الزيارة من رسائل تقدير واضحة. فقد وجّهت الوزيرة كرامي تحية شكر للوزيرة الخاطر وفريق عملها، على حفاوة الاستقبال، وعلى ما وصفته بالعناية بالحاجات التربوية للبنان، في لحظة دقيقة يمرّ بها القطاع.

 

التعليم كآخر المساحات الممكنة

تفتح زيارة كرامي الباب أمام آفاق عملية، أبرزها إعادة استقطاب طلاب قطريين إلى الجامعات اللبنانية، وتوسيع فرص تبادل الخبرات التربوية، ولا سيما في مجالات التربية الرقمية، والتعليم المختص، وبناء القدرات، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى إعادة تثبيت موقعه التربوي في المنطقة.

بهذا المعنى، لا تُقرأ زيارة ريما كرامي إلى الدوحة كحدث معزول، بل كمحاولة لإعادة بناء جسر هادئ في زمن الانهيارات. جسر لا يقوم على الخطاب السياسي، بل على التربية بوصفها سياسة عامة، وعلى الشراكة بوصفها خيارًا استراتيجيًا.

في بلد تتآكل فيه المؤسسات، يبقى التعليم أحد آخر المساحات القادرة على الصمود، وربما أول ما يمكن البناء عليه للخروج من الأزمة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث