تعود أزمة مشاريع القاع إلى الواجهة مرّة جديدة. وكما في كل مرة يتجدّد الخلاف بين سكان المنطقة وبلدية القاع حول حق الاستثمار، وتشييد الغرف الزراعية، وتعبيد الطرق، في أرضٍ لم تُحسم هويتها القانونية منذ عقود. نزاع في ظاهره عقاريًا، لكنه في جوهره أزمة ديموغرافية كامنة، تكشف عجز الدولة اللبنانية وتخلّيها عن إدارة واحدة من أوسع وأهمّ المساحات الزراعية في البقاع الشمالي.
تشمل الخلافات نحو 800 فدان من أصل 1440، يعمل بها ويملكها أشخاص من خارج بلدة القاع. وتزداد الصورة تعقيدًا بسبب اختلاف مساحة الفدان بين منطقة وأخرى، ففي بعيون تبلغ 27 دونمًا، وفي وادي الخنزير 35 دونمًا، بينما لا تتجاوز في مائية 17 دونمًا، ما يضاعف الالتباس ويعمّق النزاع.
ملك بلا إدارة
في مشاريع القاع المحاذية للحدود السورية، تحضر الدولة بوجهٍ ملتبس، تملك الأرض لكنها لا تديرها، ولا تتحمّل مسؤولية تنظيمها. هكذا تتحوّل الأزمات إلى حالة دائمة، تُدار بمنطق الأمر الواقع، فيبقى السكان عالقين بين قوانين مؤجلة وحاجيات معيشية ضاغطة.
رسميًا تعود أراضي مشاريع القاع إلى أملاك الدولة اللبنانية والبلدية، الأرض ممسوحة ومحدّدة، لكن معظمها غير مفرَز، وبعضها ما زالت شائعة. أمّا عمليًا فلا عقود مُلكية واستثمار منظّمة، ولا رؤية واضحة لإدارة هذه المساحات، ما أنتج ملكية معلّقة بلا سند قانوني وبلا حدود واضحة. هذا الفراغ ليس مجرّد تفصيلًا إداريًا، بل أساس أزمة ممتدّة منذ عشرات السنين.
بلدية تحت الضغط
يقول رئيس بلدية القاع، بشير مطر في حديث لـ"المدن" إن البلدية "ورثت ملفًا أكبر من قدرتها وصلاحياتها، ويحتاج دولة لحله". ويؤكد أن "سهل القاع أرض ممسوحة ومحدّدة لكنها غير مفرزة"، مشيرًا إلى أنه "لا وجود قانونيًا لما يُعرف بأهالي مشاريع القاع".
ويلفت مطر إلى أن بعض المستثمرين يضعون يدهم على الأرض منذ أكثر من ثلاثين عامًا، فيما يملك آخرون حصصًا من دون أن يتمكنوا من استثمارها. ويحذّر من تحويل الأرض الزراعية إلى سكنية أو إقامة مشاريع عليها، معتبرًا أن "ذلك يهدّد هوية القاع"، مطالبًا بتشكيل هيئة قضائية تحكيمية لحسم الملف، ومحمّلًا الدولة مسؤولية الفوضى القائمة.
نزاع يتكرّر
هذا الواقع غير المحسوم ينفجر دوريًا مع تجدّد الخلاف بين سكان مشاريع القاع، أو ما يُسمّيهم البعض "المالكين الجدد"، وبين أهالي بلدة القاع وفي مقدّمهم البلدية. الخلاف لا يقتصر على الملكية، بل يمتد إلى حق الاستثمار وبناء الغرف الزراعية، وتعبيد الطرقات، ومدّ البنى التحتية الأساسية ودور العبادة والمدافن.
تمتنع البلدية عن منح التراخيص كما يبرر رئيسها "بسبب الإعتداء على أرض خاضعة لإجراءات الضم والفرز"، فيما يرى السكان أن هذا الامتناع يحوّلهم إلى رهائن وضحايا، مطالبين بالحل القانوني العادل. وقد شهدت المنطقة في مراحل سابقة توترات ومشاكل تخللها قطع طرق، وسط مخاوف من اتساع الشرخ الاجتماعي الطائفي، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من الأراضي بيع منذ ثمانينات القرن الماضي، خلال الحرب بموجب إقرارات بيع أو وكالات.
استصلاح خارج الدولة
وسط غياب الدولة المزمن، دخل مستصلحو الأراضي إلى مشاريع القاع منذ عشرات السنين. حفَروا الآبار، مدّوا شبكات الري، ونقّبوا التربة، وحوّلوا الأرض المهملة إلى مساحات زراعية واسعة ومنتجة. لم يكن ذلك نتيجة خطة تنموية رسمية للدولة، بل ثمرة تعب فردي وبحثٍ قاسٍ عن تحصيل لقمة العيش، فرض نفسه ببساطة لأنه لم يكن هناك خيار أخر.
يقول أحد المستصلحين "حين جئنا إلى هنا لم تكن هناك طرقات ولا مياه ولا كهرباء. نحن من صنع من الأرض البور (الصليخ) هذه المشاريع الزراعية، والدولة لم تدفع لنا ليرة واحدة، لكنها اليوم تذّكرت إنها المالكة". شهادة تلّخص جوهر الأزمة، دولة غابت حين كان العمل مشقّة ومخاطرة، وحضرت لاحقًا بصفة المالك الرسمي من دون اعتراف بجهد وتعب وعرق من أعطى القيمة الفعلية للأرض.
قانون معلّق
على المستوى التشريعي، كان النائبان أنطوان حبشي وبكر الحجيري قد تقدّما عام 2019 باقتراح قانون لإنجاز الضم والفرز في منطقة مشاريع القاع وحسم الهوية القانونية للأراضي وفق قانون الملكية العقارية اللبناني. غير أن المشروع بقي عالقًا في أدراج مجلس النواب، كما يؤكد الحجيري ما يعكس مرة جديدة عجز الدولة عن تحويل المبادرات القانونية إلى حلول فعلية على الأرض.
الحدود ذريعة
يربط البعض تفاقم الإشكالية بعدم ترسيم الحدود اللبنانية – السورية في هذه المنطقة الحسّاسة. لكن وبحسب الدكتور عصام خليفة في حديث لـ"المدن"، يؤكد أن الدولة استخدمت هذا الملف ذريعة لتبرير تقصيرها وإهمالها، "ما انعكس التباسًا إضافيًا في تحديد العقارات والأملاك العامة والخاصة، وفتح الباب أمام تضارب الخرائط والسجلات، وأدّى إلى هشاشة الواقع القانوني في سهل مشاريع القاع".
ويشدّد خليفة على "أن ترسيم الحدود، بوصفه مسألة سيادية، لا علاقة له بإجراءات تنفيذية محلية بحتة كالضم والفرز"، معتبرًا أن "تحويله إلى شماعة للتعطيل والضغط واستثمار الفوضى وترك السكان عرضةً للمشاكل والابتزاز".
سكان بلا خدمات
في المقابل، يؤكد سكان مشاريع القاع أن ملكيتهم للأراضي تعود إلى ما بين 30 و 50 سنة، وهي موثّقة بإقرارات بيع ووكالات تحدّد عدد الدونمات. ويقول أحمد عزالدين أحد السكان إن "منع إدخال مواد البناء، أو تعبيد الطرقات، أو تركيب أنظمة الطاقة الشمسية، يحاصر الناس وكأنهم يعيشون في جزيرة مهجورة"، محذّرًا من تداعيات خطرة إذا استمر هذا الواقع.
أزمة دولة لا أرض
قضية مشاريع القاع ليست نزاعًا عقاريًا، بل وجهًا آخر لغياب الدولة وتخلّيها عن مسؤولياتها. حين تنسحب الدولة، لا تتوقف الحياة، بل تحلّ الأعراف مكان القانون، والوساطات مكان المؤسسات، وتُدار الأمور بمنطق الأمر الواقع.
الأخطر أن هذا المشهد يتناقض مع الخطاب الرسمي عن السيادة وبناء الدولة. فكيف تُترك أرض حدودية بلا تنظيم ولا حماية قانونية؟ وكيف تُرفع الزراعة شعارًا للإنقاذ الاقتصادي فيما يُترك المزارعون خارج أي إطار قانوني؟
مطلب الناس واضح حسم الملف بقرار قانوني عادل، تتحمّل الدولة كلفته ومسؤولياته. أمّا استمرار الأزمة وتجددها، فلا يعني سوى إبقاء المنطقة على فوهة توتر دائم، حيث تكفي شرارة صغيرة لتفجير ما بقي ممسوكًا بالعقل حتّى الان .
