خسر ريف دمشق خلال السنوات الماضية جزءا كبيراً من غابات الأشجار، في واحدة من أكثر حالات التدهور البيئي في المنطقة، التي تشكل حزاماً لدمشق، وتضم مناطق مثل سهل الزبداني غرباً والغوطة الشرقية شرقاً. وهاتان المنطقتان شكّلتا تاريخياً خزّاناً زراعياً ومصدراً للفاكهة والخضار، فضلاً عن كونها رئة خضراء تخفف من حدّة المناخ الجاف في محيط العاصمة.
ولم تكن الخسارة نتيجة حرائق أو عوامل طبيعية فحسب، بل جاءت في كثير من المناطق نتيجة اقتلاع وتجريف ممنهج، حوّل مساحات زراعية وحراجية واسعة إلى أراض جرداء، وترك أثراً طويل الأمد على البيئة.
أشجار معمّرة
حسام، من أهالي حرستا في ريف دمشق قال لـ"المدن"، إن الزيتون في حرستا كان ثروة المدينة، لكن النظام كان يمنع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم، وحتى بعد تهجير المقاتلين، بقيت السيطرة على الأشجار منحصرة بالنظام. وأضاف أن قطع الأشجار في حرستا لم يكن نتيجة فعل الأهالي، الذين يحرصون على أشجارهم، خصوصاً الزيتون المعمر الذي يزيد عمره عن 500 عام.
وأشار إلى أن بعض الأشجار التي لم تُقتلع من الجذور تعافت جزئياً، لكنها تأثرت بالتقطيع والقص العشوائي، ما قلّل إنتاجها بشكل كبير. ووفق إحصائيات محلية، فقد خسرت حرستا أكثر من 185 ألف شجرة معظمها من الشجر المثمر لا سيما الزيتون الذي عمدت قوات النظام لتعفيشه وبيعه في سوق الحطب والفحم.
من جهته يوضح عبد الرحمن غبيس، مدير حملة "ريفنا أخضر"، (مبادرة محلية انطلقت في 15 كانون الأول 2025 بهدف إعادة تشجير ريف دمشق) أن الخسارة الكبيرة التي أحصها فريق الحملة تركزت في منطقة الزبداني غربي العاصمة دمشق. فقد فقدت نحو مليون و400 ألف شجرة خلال السنوات الماضية، بين أشجار حرجية ومثمرة، نتيجة عمليات القلع والتعديات التي رافقت الأعمال العسكرية، فيما فقدت الغوطة الشرقية نحو 500 ألف شجرة خلال الحملات العسكرية التي طالت المنطقة. ويشير إلى أن هذه الأرقام لا تشمل كامل الخسائر، ولا سيما الأشجار المثمرة ضمن الملكيات الخاصة، ما يكشف فجوة كبيرة في توثيق الأثر البيئي الحقيقي.
التحطيب للبيع والتدفئة
الدكتور صالح القادري، أستاذ في كلية الزراعة في جامعة دمشق، أوضح أن خسارة الغطاء الشجري أتى نتيجة اجتماع عوامل الحرب والانهيار الاقتصادي والجفاف.
وأضاف أن الحرب أدت إلى قطع مناطق واسعة لتوضيح الرؤية أثناء العمليات العسكرية على مناطق ريف دمشق الغربي، واتُبع سياسة ممنهجة في قطع الأشجار. وبعض الأشخاص استغلوا الأزمة وبدأوا بالتحطيب، خصوصاً في القرى الريفية التي اعتمدت على الحطب بدل المازوت للتدفئة، وباعوا كميات كبيرة من الأشجار.
ومن جهة أخرى، يظهر أثر الجفاف على الأشجار على المدى الطويل. وقد تعرض الفلاحون لعمليات قنص وقتل عند ري الأشجار في المناطق المعرضة للخطر، ما أدى إلى إحجامهم، ويباس الأشجار. وفي المحصلة كانت الحرب والانهيار الاقتصادي أحد الأسباب الأساسية لهذه المشكلة. هذا فضلاً عن ضعف الراقبة الفعلية، وإقدام النظام السابق على قطع الأشجار لتحويل الأحراش إلى أراضٍ للبناء.
وأضاف القادري أن الطلب المتزايد على الحطب والفحم أدى إلى تحويل الأشجار إلى سلعة تُباع وتشترى بعيدا عن الغرض الأساسي للزراعة، وهو الاستفادة من ثمارها وجمالها.
تداعيات قطع الأشجار
أظهرت السنوات اللاحقة بعد توقف العمليات العسكري في ريف دمشق أن الانهيار الاقتصادي كان أكثر فتكاً، مع ارتفاع أسعار المحروقات وغياب بدائل الطاقة؛ ما دفع الأهالي إلى استخدام الأشجار للتدفئة وبيعها.
وفي ريف دمشق، لم يكن قطع الأشجار نشاطاً هامشياً، بل ارتبط بالحاجات العسكرية، والتحصينات، وفتح الطرق، إضافة إلى التعديات لأغراض معيشية في ظل غياب البدائل. والنتيجة كانت تدميراً واسعاً للغطاء الأخضر، انعكس على التربة والمناخ المحلي والاقتصاد الزراعي.
الدكتور القادري يوضح أن فقدان الغطاء النباتي أثر على تماسك التربة، فالأوراق توفر سماداً عضوياً والغطاء يحافظ على التربة ويحد من خطر الانجراف والتصحر. كما أنها تؤثر على المناخ المحلي حيث يلعب الغطاء النباتي دوراً أساسياً في الهطول المطري وتخفيف الاحتباس الحراري، وأن إزالة الأشجار – بحسب القادري- تقلل معدلات التبخر وتغير وقت الهطول، ما يزيد احتمال الجفاف والفيضانات.
وعلى مستوى الزراعة والأمن الغذائي، فإن اقتلاع الأشجار المثمرة والحراجية أدى إلى انهيار البنية البيئية، وخفض الإنتاجية، وفقدان التنوع الزراعي، وخسارة الحياة البرية، بالإضافة إلى تراجع المحاصيل الاستراتيجية وزيادة الاعتماد على الاستيراد وتهجير الأسر الريفية إلى المدن.
وأكد القادري أن التعويض ممكن لكنه يحتاج إلى سنوات طويلة، مع عمليات تشجير منظمة، وحصاد مياه الأمطار، والزراعة الحافظة لتحقيق استدامة للماء والتربة، مع دعم الدولة للمنتجات الزراعية المحلية.
حملة "ريفنا أخضر"
عبد الرحمن غبيس، منسق حملة "ريفنا أخضر"، اعتبر أن الخسارة لم تكن عشوائية، بل نتجت عن سنوات من الاستهداف المباشر للمناطق الزراعية، مما أثر على التربة والتنوع الحيوي والموارد المائية.
وأشار إلى أن قطع الأشجار للتدفئة أصبح خياراً قاسياً للأهالي بسبب غياب البدائل وارتفاع أسعار المحروقات، ما سرّع من تدهور الغطاء الأخضر. وأكد أن ما جرى يمثل أحد أكبر أشكال التدهور البيئي الصامت في المنطقة، وأن المبادرات الحالية، رغم أهميتها، لا تزال محدودة مقارنة بحجم الضرر، وتحتاج إلى دعم أوسع وخطط طويلة الأمد لإعادة التوازن البيئي.
وتهدف الحملة إلى زراعة 500 ألف غرسة، وتنفذ على ثلاث مراحل تبدأ من مداخل محافظة ريف دمشق، حيث تمتد الغراسات على الطرقات والشوارع العامة، ثم المدن والبلدات، لتصل إلى إشراك الأهالي في مشاريع زراعية مستدامة.
