بعد انتظار عشرات السنوات، وبعد وأخذ وردّ، وتدخلات سياسية كبيرة، صدر مرسوم تشكيل المجالس التحكيمية الخاصة في المناطق التربوية، وجرى تعيين القضاة لترؤّس المجالس في المحافظات، إلى جانب تعيين ممثلين عن أصحاب المدارس وعن أولياء أمور الطلاب.
عيّنت الحكومة في المرسوم رقم 2290 ثمانية مجالس تحكيمية في المحافظات، من صلاحياتها البت بالنزاعات التي تنشأ بين أهالي الطلاب وإدارات المدارس. لكن هذا التعيين أتى "معلّباً" وغبّ الطلب، كسائر التعيينات "الإصلاحية" التي تتوالى في القطاع العام. فبعض ممثلي أولياء الأمور يحتلون مناصب رفيعة في إدارات المدارس، أو هم محامون عنها، ما يجعل تعيينهم مخالفاً لأبسط القواعد القانونية، طالما أن التعيين قائم على تضارب مصالح، ويضرّ بحقوق أهالي الطلاب.
مدير مالي "يمثّل" الأهل
المثل الفاقع في التعيينات يظهر في محافظة جبل لبنان. فقد جرى تعيين ريمون فغالي "ممثلاً" لأولياء الأمور، والأب يوسف نصر ممثلاً لأصحاب المدارس. علماً أن فغالي يشغل منصب المدير المالي في مدرسة "برمانا هاي سكول"، حيث رفعت لجنة الأهل دعوى ضد الإدارة، نظراً للوفر المالي والتلاعب بالحسابات. وهنا تعتبر رئيسة اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور لمى الطويل أن هذا التعيين قائم على تضارب مصالح فاقع، ويعرّض المرسوم للطعن أمام مجلس شورى الدولة. فصحيح أن فغالي يعرّف عن نفسه أنه رئيس اتحاد لجان الأهل، وتتفاخر المدرس بإطلالاته الإعلامية، إلا أنه مدير المحاسبة في المدرسة. وقد شكل لائحة في انتخابات لجان الأهل هذا العام، وخسرت لائحته الانتخابات.
إقصاء الممثلين الحقيقيين
تعيين المجالس التحكيمية قائم على تضارب مصالح فاقع يجعل من ممثل الأهل الخصم والحكم في الوقت عينه. وهنا تقول الطويل، التي تترأس أكبر اتحاد للجان الأهل في لبنان: "لم نتفاجأ بهذه التعيينات القائمة على محاصصات دينية وسياسية وتدخلات مباشرة في القرارات التربوية، بعد ما شهدناه في الحقبة الماضية من تخاذل وهدر وإهمال لحقوق الأهل، وتفلت في ضبط وإدارة القطاع التعليمي الخاص".
في هذه التعيينات جرى إقصاء الاتحاد، ولم يعيّن أي ممثلٍ عنه في جميع المحافظات، رغم أنه الاتحاد الوحيد الذي يعمل على مستوى لبنان، وفيه تمثيل للجان الأهالي من كل المناطق. وتعتبر الطويل أن هذا التعيين أتى بمباركة "من أكبر المراجع الدينية والسياسية لتغطية مصالح حزبية وخاصة وتشريع كل التجاوزات للقوانين".
وتضيف غامزة من قناة الوزيرة ريما كرامي: "لكن المفاجئ كان موافقة وتواطؤ المعنيين على استبعاد مكونات أساسية وحقيقية (لجان أهل غير معلّبة) عن التمثيل في المجالس، في عهد يدّعي الإصلاح والتغيير".
المحامي زميل لشقيق كرامي
في مختلف المناطق، جرى تعيين أشخاص ممثلين عن أولياء الطلاب غير معروفين ضمن لجان الأهل الفاعلة، التي تتحدى الإدارات، وتجرؤ على طلب الموازنة المدرسية لمناقشتها وتشتكي على المدرسة. ففي محافظة الشمال، يقول منسق اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور قحطان ماضي: "لقد عيّنوا مجالس تمثّل مصالح أصحاب المدارس وليس الأهل. مجالس على الأهل وليس للدفاع عنهم. فممثلو الأهل في المجالس سيف مسلط على رقاب الأهل".
ويضيف ماضي: "لقد جرى تعيين محامٍ يعمل في المكتب عينه مع شقيق الوزيرة فهمي كرامي، الذي سبق واشتبكنا معه كمحامٍ عن المدارس الخاصة. وهذا المكتب يضم محامين عن المدارس. والأنكى أنني تجادلت مساء أمس مع المدير المالي لإحدى كبرى المدارس في طرابلس حول هذه التعيينات، وقال لي بالحرف: أخيراً بات لديهم مجلس تحكيمي يستطيع استرداد حقوق المدارس من الأهالي، قاصداً المحامين الذين يترافعون عن المدارس، والذين عيّنوا ممثلين عن أولياء الأمور".
تعيين أساتذة تعليم رسمي!
في محافظة البقاع، جرى تعيين وليد حمود الأستاذ الثانوي في القطاع الرسمي (يدرس في التعليم المهني الخاص) ممثلاً عن أولياء أمور الطلاب. وهو مسؤول في القطاع التربوي لحركة أمل. وسبق أن حصل خلاف بينه وبين مدير ثانوية رياق الرسمية، جرى خلاله سحب السلاح، فتمّ على إثر ذلك نقله إلى معهد رياق المهني.
أما في محافظة بعلبك الهرمل، فجرى تعيين الأستاذ في ملاك التعليم الثانوي بكر صلح، ممثلاً عن أصحاب المدارس الخاصة! علماً أن لا علاقة له بالقطاع الخاص، بل سبق أن تلقى وعداً بأن يصار إلى تعيينه ممثلاً عن وزارة التربية في المجلس التحكيمي. أي إن لا صفة رسمية له ليعيّن في المجلس.
التعيينات أتت غب الطلب، ومن دون تمثيل حقيقي لأهالي الطلاب. لكن طبيعة تشكيلها بهذه الطريقة القائمة على تضارب المصالح، تعرّض المرسوم للطعن أمام مجلس شورى الدولة. وقالت الطويل: "لا زلنا على ثقة بالقضاء اللبناني، وسنبقى ندافع عن حقوق الأهالي تحت سقف القانون، وننشر الوعي، ونقول كلمة الحق، ونواجه أي تخاذل أو تواطؤ ضد مصلحة الأهالي. وبالطبع سنلجأ إلى الطرق الشرعية والقانونية كافة لإبطال أي قرار مجحف بحق الأهالي. وسنحمّل كل مسؤول نتيجة أفعاله".
