تعاني شريحة واسعة من السوريين من مشكلات عديدة في تسجيل واقائع الولادة والوفاة. وتكمن المشكلة في عدم دقة تواريخ المواليد والوفيات أو عدم تسجيلها أساساً. ويعود ذلك إلى حزمة من الأسباب مثل التهجير واللجوء والقوانين المعقدة فضلاً عن التلاعب والتزوير لتواريخ عدد من الواقائع، لأهداف مادية بحتة. فوفقاً للقوانين المعمول بها في سوريا، تتطلب عملية تسجيل واقعة الولادة الحصول على شهادة ولادة من الجهات الطبية ثم استكمال الإجراءات في دائرة النفوس، وهي إجراءات كان المهجرون محرومين منها بسبب الظروف الأمنية، بينما يتطلب تسجيل واقعة الوفاة شهادة طبية مصدقة من المختار مع تواقيع الشهود ثم التسجيل في دوائر النفوس.
مئات مكتومي القيد
وبحسب ما رصدت "المدن" استناداً إلى أحاديث مع عدد كبير من المواطنين، عانى مئات المواليد في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام أو المقيمين خارج البلاد من كتمان قيودهم، لأن ذويهم لم يتمكنوا من دخول مناطق النظام لترتيب الإجراءات البيروقراطية المعقدة لتسجيل الولادات.
تقول سماح وهي مهجرة من دمشق نحو أعزاز بريف حلب الشمالي لـ"المدن" إنها تزوجت في العام 2017 لكن زواجها لم يثبت في المحكمة بسبب التهجير، ولم تسجّل ثلاثة أطفال ثمرة هذا الزواج، كما جرت العادة في دوائر النفوس.
اليوم، تسعى سماح لتلافي هذه المشكلة من خلال العودة إلى تسجيل زواجها في المحكمة، لتتمكن من تسجيل أطفالها. وتؤكد أن تتبع إجراءات أقل تعقيداً مما كان الوضع عليه زمن النظام البائد.
أما عبادة وهو مهجر آخر، فقد تمكن عبر التواصل مع محامي في مناطق النظام في العام 2020 من تثبيت زواجه وتسجيل ولديه. لكن بسبب تأخره عن تسجيل الولادات، ولأن التسجيل يحتاج إلى محضر شرطة وبعض الإجراءات الأخرى، التي لم يكن يستطيع تنفيذها، فقد جرى تسجيل الطفلين بتواريخ متأخرة.
ويضيف عبادة خلال حديث لـ"المدن" أنه لم يقم حتى الآن بتعديل هذه التواريخ لأنها تحتاج إلى بعض الإجراءات، مثل الحصول على شهادتي ولادة غير موجودتين بسبب إغلاق المشفى، حيث وضعت زوجته مولوديها.
ولا يقتصر كتم قيد المولود على المهجرين، فقد أدت ظروف الحرب وتبعاتها من تطبيق النظام الأسدي إجبارية السوق إلى الخدمة العسكرية إلى إقدام عدد من الأمهات على كتمان قيد الابن الثاني الذكر، حتى لا يساق المولود البكر إلى الخدمة لأن القوانين تعفي الابن الوحيد من الخدمة.
منال سيدة من ريف دمشق، كتمت قيد ابنها المولود في العام 2020 تجنباً لسوق شقيقه الأكبر إلى الجيش. وتؤكد لـ"المدن" أنها سجلت الطفل عقب سقوط النظام بعد قرابة 4 سنوات من ولادته في دائرة النفوس بعد إجراءات بسيطة، مستعينة بوثيقة ولادة مصدقة.
التلاعب بتواريخ الوفاة
وفضلاً عن كتمان قيود المواليد أو تسجيلهم بتواريخ متأخرة وهي قضايا أقل تشعباً وتعقيداً، يعاني بعض الأبناء من التلاعب والعبث بتواريخ وفاة آبائهم، الأمر الذي ترتب عليه نتائج قانونية كارثية تتعلق بالمواريث.
أحمد وهو شاب من ريف دمشق، أكد لـ"المدن" أنه صدم عقب سقوط النظام وعودته إلى مدينته بأن والده لا يحق له أن يرث من جده، بسبب تزوير تاريخ وفاة والده وتسجيلها قبل وفاة أبيه. وهذا لا يحرمه من حصته من الميراث فحسب، بل يثبت حقوقاً لأشقاء والده من ممتلكات شقيقهم المتوفى، وفقاً للقوانين.
ويوضح أحمد أن والده وجده توفيا في العام نفسه، لكن أحد أعمامه سجّل واقعتي وفاتهما متلاعباً بالتواريخ. لذا استعان بعد سنوات بأحد المحامين لتسوية الأمر، لكنه فشل في تقديم إثباتات تؤكد وفاة والده قبل جده.
أسباب التزوير
من جانبه، يؤكد المحامي جلال شعيب، الذي اطلع على قضايا عديدة في مجال السجلّات الشخصية، حصول تزوير وتلاعب في تسجيل الوقائع في سجلّات النفوس. وترافع في قضايا عديدة بعضها جرى حلها بشكل ودي، بينما لا تزال أخرى عالقة في المحاكم. وكان الهدف من التلاعب الحصول على حصص أكبر من الميراث.
ويشرح شعيب أن هدف التزوير لا يقتصر على السطو على الميراث، بل يقدم البعض على التلاعب بالتواريخ بغية الحصول على المعونة الإنسانية. فعلى سبيل المثال، كان بعض الأبناء يؤخرون تسجيل وفاة الوالدين لسنوات طويلة لمواصلة الحصول على حصصهم الإغاثية.
